في مثل هذه الأيام المباركة، التي يستقبل فيها عيد الأضحى، كان الجزارون يتجولون في الشوارع بمواشيهم وذبائحهم، ويلتف حولهم الصغار يهتفون ” من ده بكرة بقرشين”، في دلالة على رخص أسعار اللحوم، وتوافرها في متناول الفقراء والأغنياء ، خاصة أن المصريين كانوا يتقربون لله تعالى بذبح الأضاحي وتوزيعها على الفقراء، حتى إنه لم يكن هناك فقير في مصر يحرم من تناول اللحمة في عيد الأضحى، والتي أصبحت عادة في الصباح بعد أداء صلاة العيد حيث تتجمع الأسر المصرية حول صينية الفتة واللحمة.

لكن مع نظام الانقلاب العسكري، غابت اللحمة عن الفقراء والأغنياء معا، وغاب المشهد التراثي المشهور بين المصريين، في تجول الجزارين وصبيانهم للترويج لذبائحهم، وسيطرت حالة من الركود على أسواق اللحوم بعد عزوف كثير من المواطنين عن الشراء بسبب ارتفاع أسعار اللحوم، معلنين رفضهم زيادات الأسعار، نظرا لوجود أولويات تجبرهم على العزوف عن  شراء اللحوم.

وبسبب تزامن عيد الأضحى مع قدوم موسم المدارس جعل المواطن فى حيرة من أمره، فإما شراء اللحوم أو مستلزمات المدارس ومصاريف الدروس، والبعض لجأ إلى شراء كميات محدودة، خاصة في ظل ارتفاع سعر كيلو اللحمة لأكثر من 150 جنيها.

مصروفات ضخمة

ونقلت صحيفة “الأهرام” الحكومية، في تحقيقها المنشور صباح اليوم الجمعة، عن أحمد أبو سريع – جزار بالبساتين – أنه يبيع بأسعار العام الماضي، فالزبون يعيش فى مناسبات متلاحقة ، فيخرج من رمضان وعيد الفطر إلى عيد الأضحى يعقبه مباشرة موسم المدارس، وكل مناسبة تحتاج لمصروفات ضخمة، فكيلو اللحم البلدي أبيعه بـ أكثر من 135 جنيها والضاني 140 وسعر العجول الحية 58 جنيها والخراف 65 جنيها.

وقال محمد الشريف جزار بمنطقة زينهم، إن معظم المحال تحاول تخفيض الأسعار لجذب الزبائن للسوق مرة أخرى بعد اتجاههم لسوق الدواجن والأسماك، مما أثر على تجارتنا بالسلب، مشيرا إلى أنه يعمل بالسوق منذ 30 عاما ولم يشهد ركوداً في الحركة مثلما هو الحال الآن.

حالة من الركود

فيما قال مدحت صبحى أحد تجار الماشية بمنطقة عرب المعادي: “عادة يبدأ المضحون بحجز أضحيتهم قبل العيد بشهر ، وتسلمها قبله بأيام معدودة الا أن هذا الموسم تسوده حالة من الركود في حركة البيع والشراء، نظرا لارتفاع سعر الأضاحي بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف .. فطن الذرة الصفراء ارتفع سعره من 1700 جنيه إلى 4300 جنيه، كما ارتفع سعر طن الفول من 3500 جنيه إلى 8 آلاف جنيه”، مؤكدا أن الزبائن هذا العام اكتفوا بالسؤال عن الأسعار فقط دون وجود نية للشراء.

وأكد سيد عبد المنعم تاجر ماشية بمنطقة عرب المعادي، أن التاجر مظلوم .. فهو يشتري من المربي أو المزارع بسعر مرتفع .. ويضطر إلى تخفيض هامش الربح كي يكسب .. فيرتفع السعر على المواطن، مؤكدا أن حركة البيع تنتعش يوم عرفة، لأن أغلب المواطنين يقبلون على شراء الأضحية يوم الوقفة، اعتقادا بأن التجار يخفضون أسعارهم فى هذا اليوم نتيجة لحالة الركود.

وقال أشرف حمدي تاجر مواشى بالبساتين إن معاناة المواطنين من ارتفاع الأسعار بصفة عامة هى السبب الرئيسى للركود خاصة أن الأسعار مقاربة للعام الماضى.. فكيلو الضأن القائم وصل إلى63 جنيها، والماعز 65، حيث يتراوح سعر الماعز بين 2000 و 3000 والخراف من 4 إلى 8 آلاف وتتراوح أسعار العجول من 20 ألفا إلى 50 ألفا وفقا لوزنها.

أضاحي الأغنياء

وباستعراض رأي الغلابة، أكدوا «نعتمد على اللحوم التى توزع علينا من أضاحي الأغنياء»، هذا ما أكده سعيد عرفة «سائق» قائلا : أعمل باليومية كسائق تاكسي بالأجرة، واللحوم لم تعد من متطلبات حياتنا الأساسية فالتعليم والصحة أهم أولوياتنا .. ولدي أربعة أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، وبالكاد أوفر لهم مصاريف المدارس ومتطلباتها من أدوات وملابس ولأن قدوم العيد يلحق به مباشرة بدء العام الدراسي، لذا سنوفر الأموال للمدرسة.

وقال مصطفى عرفة (موظف): “إن شراء اللحوم طقس من طقوس عيد الأضحى لا يمكن الاستغناء عنه.. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية التى نعانيها ومهما ارتفعت الأسعار وبلغت الأزمة ذروتها فإن فرحة المصريين لا تكتمل دون شرائها ولو بأقل كمية”.

وقالت صباح عبد العزيز – ربة منزل – إن 5 كيلو لحمة الآن بـ800 جنيه دون حساب تكلفة الخضار أو الأرز أو السمن، أي أن لوازم الوجبة الواحدة قد تتعدى 200 جنيه، وعندما يأتي أولادي وأحفادي للغداء فبالكاد يكفيهم 2 كيلو من اللحم.. بالإضافة إلى الأرز والخضار فقد يصل ثمن الوجبة إلى أكثر من 500 جنيه، لذلك سأكتفي بدعوتهم على «الفتة» أول يوم العيد كالعادة ليفرح الأحفاد.

«السنة دى ما فيش لحمة»

وقالت سيدة أخرى، «السنة دى ما فيش لحمة» وأكدت أنها ستقوم بشراء أحشاء الماشية «الحلويات والعفشة»، لأن ارتفاع سعر كيلو اللحمة البلدي إلى 150 جنيها، وارتفاع المستورد إلى 100 أدى إلى صعوبة شرائها.

وتقول ليلى محمد موظفة، سنلجأ إلى الأضحية الجماعية، أي مشاركة أكثر من أسرة فى ذبيحة واحدة فالأسعار مرتفعة ولا تناسب شريحة كبيرة من المواطنين.

وتضيف سعاد أحمد – ربة منزل -: لدي 4 أبناء و2 كيلو من اللحم لا يكفينا، مع أنها أقل كمية يمكن أن أشتريها، لذلك ألجأ إلى شراء لحم مفروم لرخصه، وأستخدمه فى عمل حواوشي رغم علمي أنه عبارة عن دهون وتوابل، و20 % فقط منه لحم؛ حتى أشعر الأبناء ببهجة العيد.

 

 

 

رابط دائم