لم يتخيل أحد أن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في يناير الماضي، حينما أعلن أنه سيخفض المساعدات المقدمة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” ما لم يتعاون الفلسطينيون مع خطته لإنعاش عملية السلام مع إسرائيل، تصل لحد الحقيقة ، حيث أصدر ترمب قرارا مفاجئا بوقف تمويل وكالة الأونروا.

كان ترامب قد قلص مساهمة الولايات المتحدة للأونروا خلال 2018 إلى 65 مليون دولار، بعد أن كانت حوالي 365 مليونًا في 2017، بدعوى أن الوكالة بحاجة لإجراء إصلاحات لم تحددها، وبهذا تعاني الأونروا اليوم من أكبر أزمة مالية في تاريخها.

ويقول عدد من السياسيين الفلسطينيين إن تخفيض الولايات المتحدة دعمها للأونروا، واعتبارها القدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمة لإسرائيل، هي إجراءات تمهيدية لخطة سلام تعمل عليها واشنطن، وتقوم على إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات مجحفة لصالح إسرائيل ضمن ما يسمى “صفقة القرن”.

وحذّر مسؤولو المنظمة في قطاع غزة من أن قرار وقف التمويل سيؤدي إلى تدهور أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الإنسانية.

حتى أن مدير وكالة “الأونروا” في غزة ماثياس شمايل، قال “كجزء من إدارة الأنروا نطالب كل من يتخذ قراراً بتمويل الوكالة، بفصل الاعتبارات السياسية عن تلك الإنسانية”.

وأضاف “علينا استكمال الخدمات الإنسانية والإنمائية كما الصحية والتعليمية للفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لمسألتهم. الأمر يقلقنا فنحن نعمل مع الدول المعنية لتأمين التمويل اللازم لهذه السنة”.

تحريض نتنياهو

المفاجأة تمثلت في أن قرار ترامب جاء بإملاءات إسرائيلية، حيث كشفت تصريحات رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو نفسه، بأنه المحرض على قرار ترامب حينما حضّ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على تصفية منظمة الأونروا بعد تجميد ترامب المساعدات.

وردّت وكالة الأونروا سريعاً على تصريحات نتنياهو إذ أكد المتحدّث باسمها كريس جانيس أنّ ولاية الوكالة منبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وتستمر إلى حين تحقيق تسوية دائمة لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

وشدد جانيس على أنّ “الأمم المتحدة منحت الأونروا دعماً قوياً وواسعاً لنشاطها الإنساني والتنموي وأنّ الأمم المتحدة تثني على مساهمة الأونروا في إطار تعزيز السلم والأمن عبر عملها مع أكثر أهالي الشرق الأوسط تهميشاً”.

وأعلنت الأمم المتحدة أنها ستبحث عن مصادر تمويل جديدة للأونروا في حال تخفيض الدعم الأمريكي، في الوقت الذي أعلنت فيه أنها لم تتلق أي إخطار رسمي من واشنطن بشأن تخفيض الدعم الأمريكي للوكالة.

5 ملايين لاجئ

وذكرت القناة السادية الإسرائيلية، أن الإدارة الأمريكية “ستعتبر أن اللاجئين الفلسطينيين يبلغ عددهم نصف مليون لاجئ فقط، وليس 5 ملايين كما تقول أونروا” في إشارة إلى الاعتراف فقط بالأشخاص الذين هجرتهم العصابات الصهيونية من قراهم ومدنهم عام 1948.

ووفقًا للقناة الإسرائيلية، فإن إدارة ترامب ستتخذ سلسلة إجراءات في هذا الإطار تتمثل في الإعلان عن وقف تمويل كامل للأونروا في عدد من المناطق، وإيجاد صيغة قانونية جديدة تكفل عدم نقل صفة “لاجئ” بالوراثة من الأجداد والآباء إلى الأبناء.

وهو ما كشفت عنه مطلع الشهر الجاري مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، قائلة إن ترامب وبدعم من صهره ومستشاره، جاريد كوشنر، وأعضاء في الكونجرس، يعملون على إنهاء وضعية “لاجئ” لملايين الفلسطينيين من أجل وقف عمل أونروا.

وأوضحت المجلة، نقلًا عن مسؤولين أميركيين وفلسطينيين أن تلك المساعي تهدف إلى “إزاحة هذه القضية عن الطاولة في أي مفاوضات محتملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

وصرح المفوض العام للأونروا، بيير كرينبول، بالقول: “إن خفض ميزانية الوكالة الأممية لا يعني إسدال الستار على قضية اللاجئين الفلسطينيين”.

وأضاف “لا يمكن تبديد أحلام خمسة ملايين إنسان بهذه البساطة”، في إشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون خدمات من الوكالة.

جهود الأونروا

تأسست أونروا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، لتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس، وهي: الأردن، سوريا، لبنان، الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين داخل فلسطين وخارجها، نحو 5.9 ملايين لاجئ، بحسب أحدث بيانات دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينية، منهم ما بين 920 و930 ألف لاجئ، مسجلون لدى أونروا في الضفة الغربية، بينهم 30% يسكنون حتى الآن داخل المخيمات. ويعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة المحاصر منذ 11 عامًا، برًّا وبحرًا وجوًّا من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

وليستطيع اللاجئون مواصلة حياتهم في حالة اللجوء التي يعيشونها، تكفلت أونروا برعايتهم وتقديم الخدمات لهم منذ إنشائها.

ومن المفترض أن تواصل الوكالة عملها إلى حين إيجاد حل جذري لقضيتهم، وتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 149 لعام 1948، وينص على حقهم بالعودة إلى ديارهم. لكن منذ عشرين عامًا، تعرف أونروا تقليصًا تدريجيًّا لخدماتها بسبب النمو الطبيعي للاجئين، وعدم تناسق موازنتها مع زيادة أعدادهم، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى الخدمات التي تقدمها لهم، حسب تصريح لمدير عام الدراسات والإعلام في دائرة شئون اللاجئين الفلسطينية، سعيد سلامة.

ومن بين أهم خدمات الأونروا المتأثرة: التعليم، إذ كانت الوكالة ستبدأ العام الدراسي الحالي بعجز 446 مليون دولار، وهو أكثر من 40 في المئة من حجم موازنة الوكالة.

ضربة للوكالة

وفي هذا السياق بذلت جهود دولية وعقدت مؤتمرات لاستنفار جهود المجتمع الدولي لإنقاذ موازنة الوكالة وتمويلها، وحتى اليوم يوجد عجز 117 مليون دولار لديها، وبالرغم من افتتاحها الأسبوع الماضي للعام الدراسي الجديد في 711 مدرسة في مناطق عملها تضم 526 ألف طالب وطالبة، إلا أن الأزمة المالية ترخي سدولها على الوكالة، وتطرح أكثر من سؤال حول إمكانية استمرار عملها.

وسيمثل إلغاء التمويل الأمريكي ضربة للوكالة التي تدعم حالياً أكثر من خمسة ملايين شخص في الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة.

ويأتي التحرك بعد أسبوع من قطع واشنطن مساعدات للفلسطينيين بأكثر من 200 مليون ودولار ومن المرجح أن هذا يؤجج التوتر بين القيادة الفلسطينية وإدارة الرئيس الأمريكي.

رابط دائم