رغم تعدد الكتب التي تتناول الجدل المثار حول ولاية رئاسة دونالد ترامب الأولى، وما يثار حول تدخل المخابرات الروسية من أجل دعم ترامب أمام مرشحة الحزب الديمقراطي “هيلاري كلينتون” في انتخابات نوفمبر 2016م الماضية، مثل “نار وغضب” و”المعتوه” و”عرش ترامب”، إلا أن كتاب “الخوف” الذي صدر مؤخرًا للكاتب والمحقق الأمريكي “بوب ودوارد”، أشار إلى مخاوف جنرال الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي من عزل ترامب، وعدم استكمال فترته الرئاسية الأولى.

ووفقا للكتاب، فإن السيسي أعرب عن قلقه للرئيس الأمريكي ترامب، وما إن كان سيظل في منصبه، على خلفية تحقيقات المحامي الخاص روبرت مولر، والخاصة بقضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث قال السيسي لترامب: “دونالد.. أنا قلق بشأن هذا التحقيق. هل ستبقى بجانبنا؟.

مخاوف السيسي وتساؤله أصاب ترامب بصدمة أفقدته توازنه، حتى أعرب عن اندهاشه من سؤال السيسي، ونقل إلى محاميه ما جرى، واصفا سؤال السيسي بأنه بمثابة “ركلة في الخصية”!.

نوفمبر الحاسم

وتمضي إجراءات عزل ترامب بسرية تامة بحسب محللين، وإذا ما حدث ذلك بالفعل فإن أكثر المتضررين هم قادة تحالف الثورات المضادة وعلى رأسهم السيسي. لكن الأكثر ترجيحًا أن إجراءات الإطاحة بترامب مرهونة بنتائج انتخابات الكونجرس، والتي من شأنها أن تضع رئاسة ترامب في خطر حقيقي.

وبحسب تقرير لشبكة “سى.إن.إن”، أواخر 2017، فإن كبار المساعدين في البيت الأبيض، فضلا عن أعضاء في الكونجرس ومانحين ومستشارين سياسيين، يتساءلون فيما بينهم عما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك أن خسارة الأغلبية فى انتخابات الكونجرس من شأنها أن تضع منصبه فى خطر.

وأوضحت الشبكة الإخبارية الأمريكية أنه في أكثر من 12 مقابلة، قال الجمهوريون داخل البيت الأبيض وخارجه، إن المحادثات تتصاعد خلف الكواليس حول ما إذا كان ترامب يدرك تماما أن نزاعاته مع أعضاء حزبه ونقص الإنجازات التشريعية قد يضع قريبا مصير رئاسته فى خطر، معربين عن خوفهم من انتهاء الأمر إلى عزل ترامب إذا هيمن الديمقراطيون على الكونجرس.

وقال البعض، إذا فقد الجمهوريون الأغلبية في مجلس النواب، فمن المؤكد أن الديمقراطيين سيعملون على خلق مشهد من شأنه أن يعرقل جدول أعمال المحافظين وبقية فترة ترامب الأولى، وهو ما قد يرافقه مجموعة من أوامر الاستدعاء الجديدة، وتسليط الضوء على التحقيق الخاص بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية 2016، والبدء في إجراءات عزل الرئيس الأمريكى من منصبه. وتوقع أحد المقربين من ترامب، “عندما يتحكم الديمقراطيون فى مجلس النواب سيتحركون بالتأكيد نحو المواد الخاصة بالعزل”، بحسب الشبكة الأمريكية.

لماذا يخشى السيسي من عزل ترامب؟

بتحليل هذا المشهد الذي رواه ” بوب ودوارد” في كتابه، فإنه يعكس المخاوف الكبيرة التي تنتاب جنرال مصر عبد الفتاح السيسي، الذي راهن على ترامب واليمين المتطرف في رسم سياساته وتوجهات نظامه، فالسيسي وأركان تحالف الثورات المضادة مثل محمد بن زايد ومحمد بن سلمان راهنوا جميعا على ترامب خلال المنافسة التي جرت قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة 2016م، وأبدى السيسي وهؤلاء انحيازهم الأعمى لمرشح اليمين المتطرف على حساب المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، على الرغم من التصريحات الصادمة والمسيئة للإسلام والمسلمين من جانب ترامب.

السيسي أولا يخشى من عزل ترامب؛ لأنه رهن شرعيته بالتبعية لسياسات وتوجهات ترامب واليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية، فتنازل عن تيران وصنافير بناء على ترتيبات صفقة القرن، وإدخال السعودية في عملية التسوية التي أفضت إلى مكاسب كبيرة للكيان الصهيوني، كما أبدى السيسي قبوله باعتبار القدس عاصمة للصهاينة برد الفعل المخجل، والذي يسمح بتمرير القرار الأمريكي وسط معارضة عربية صورية، ربما يكون متفقا عليها مع الأمريكان والصهاينة في الغرف المغلقة ذرًا للرماد في العيون.

ثانيا، يخشى السيسي من تغيُّر معادلة الحكم في البيت الأبيض وعودة الديمقراطيين من جديد، رغم أنهم أيدوه ورتبوا معه كل تفاصيل الانقلاب، كما كشف كير كباتريك، مدير مكتب النيويورك تايمز في القاهرة، في كتابه الأخير، إلا أنهم “الديمقراطيين” أقل تجاوبا مع سياسات السيسي مثلما هو عليه ترامب، والذي تجمعه بالسيسي كيمياء مشتركة؛ فكلاهما لديه نزعة استبدادية، ويعطي أولوية للنزعة الأمنية التسلطية، وكلاهما لديه كراهية مفرطة تجاه الإعلام الحر، وكلاهما شديد العداء للحركات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما يفسر دعم السيسي وأبواقه الإعلامية والمخابراتية لترامب على حساب هيلاري كلينتون الديمقراطية في انتخابات الرئاسة؛ فالسيسي يخشى من رد فعل الديمقراطيين إذا عادوا وهو ما يمكن أن يغري جهات داخل منظومة الحكم إلى تبني خيارات الإطاحة بالسيسي؛ أملا في مصالحة مجتمعية كبرى تضم الجميع ولا تقصي أحدا، ما يفضي إلى استقرار حقيقي دائم ومستمر.

ثالثا، يخشى السيسي من أن تفضي الإطاحة بترامب إلى تفكك تحالف الثورات المضادة الذي تقوده أبو ظبي والرياض والقاهرة بدعم من واشنطن وتل أبيب، فذلك سوف يفضي تلقائيا إلى فشل صفقة القرن وما يتعلق بها من تسويات تتعلق بشرعية هذه النظم المستمدة من واشنطن وتل أبيب، وربما يؤدي ذلك إلى منح الشعوب دفعة معنوية نحو الثورة على استبداد هذه النظم العفنة المتآمرة على شعوبها ومصالح أوطانها من أجل ضمان عروشهم واستبدادهم، وهو ما يعني رسم خريطة جديدة للمنطقة تعلو فيها إرادة الشعوب على حساب النظم المستبدة.

رابط دائم