أثار التقرير الذي نشره موقع “لوموند أفريك” الفرنسي حول تفاصيل محاولة انقلابية فاشلة في تونس بتخطيط من دويلة الإمارات العبرية المتحدة لإسقاط النظام الديمقراطي البلاد ردود فعل واسعة بين مكونات المشهد التونسي.

الموقع الفرنسي كشف أن وزير الداخلية التونسي المقال، لطفي براهم، التقى سراً مسؤولاً في المخابرات الإماراتية بجزيرة جربة التونسية وخططا معاً لـ”انقلاب” على السلطة في تونس. لكن جهات استخباراتية فرنسية وألمانية وجزائرية هي من كشفت المخطط الإماراتي وأبلغت السلطات التونسية تفاصيله. وأوضح أن اللقاء جرى عقب عودة مسؤول المخابرات الإماراتي من لقاء تمهيدي لقمة باريس بشأن ليبيا، نظَّمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 29 مايو الماضي.

وبحسب التقرير الفرنسي، اتفق المسؤولان التونسي والإماراتي على خريطة طريق كان يُفترض أن تُدخل تغييرات جذرية على رأس السلطة في تونس، منها إقالة رئيس الوزراء يوسف الشاهد، وتعيين وزير دفاع بن علي السابق، كمال مرجان، رئيساً للحكومة، وعزل الرئيس الباجي قايد السبسي لاعتبارات مَرَضية، في سيناريو مشابه لانقلاب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي على الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، الذي عزله حين كان وزيراً للداخلية هو الآخر عام 1987.

وكشف الموقع أيضاً أن لطفي براهم تقرَّب من عدد من الساسة التونسيين، منهم رضا بلحاج، أحد مؤسسي حزب “نداء تونس” الحاكم الذي غادر الحزب قبل عامين لإنشاء حركته الخاصة “تونس أولاً”، وآخرين بعضهم تلقوا تمويلاً من الإمارات وحاولوا “إعادة تشكيل” المعادلة السياسية. وحاول هؤلاء الساسة، خلال الفترة الأخيرة، نسج تحالف مع ابن الرئيس المثير للجدل ورئيس “نداء تونس”، حافظ قايد السبسي، الذي تجمعه علاقة متشنجة برئيس الوزراء يوسف الشاهد.

كما أفاد الموقع بأن من بين الأهداف الأساسية للمخطط الإماراتي، كان استبعاد حركة النهضة نهائياً من الحياة السياسية في تونس، وذلك برغم وصولها للحكم بالانتخابات ودخولها في تحالف مع الرئيس الحالي المنتخب ديمقراطياً الباجي قايد السبسي.

وتقود الإمارات حليف الصهاينة في المنطقة تيار الثورات المضادة منذ عام 2013 لتغيير أنظمة الحكم الديمقراطية الوليدة بعد الربيع العربي، عبر دعم الانقلابات العسكرية كما حدث في انقلاب عبدالفتاح السيسي ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي وكذلك دعم الجنرال خليفة حفتر على مكونات المشهد الليبي من أجل فرض سيطرته بقوة الدعم المصري الإماراتي إضافة إلى إثارة الفتن والفوضى والمؤامرات لإفشال أي تجربة ديمقراطية في المنطقة العربية.

مرشح الإمارات

ووفقا للكاتب الصحفي والمحلل السياسي صلاح الدين الجورشي فإن قرار إقالة وزير الداخلية “المدعوم من اللوبي الإماراتي” أربك أوساطا متعدّدة، وبدا كأنه أشبه بعملية استباقية لتقطع الطريق أمام أمر جلل، كاد أن يحدث لولا هذا القرار. كما أن من اللافت للانتباه أن الذين دافعوا عن لطفي براهم ينتمون إلى أوساط مختلفة، وما يجمعها هو عداؤها القوي للإسلام السياسي، وفي طليعته حركة النهضة، مثل جزء من التجمعيين الموالين للرئيس السابق زين العابدين بن علي، وبعض المنسوبين إلى رجل الأعمال، كمال لطيف، وأحد أبرز وجوه الوطنيين الديمقراطيين الذين يشكلون مكونا رئيسيا من الجبهة الشعبية وآخرين.

ويشير الجورشي إلى أن أحد أهم أسباب إقالة براهام الزيارة الغامضة التي قام بها إلى الرياض قبل أشهر، وحظي خلالها بحفاوة استثنائية، وعاد إلى تونس بعد خمسة أيام في طائرة ملكية تقديرا له. وعلى الرغم من أهمية الزيارة ودلالاتها غير المعهودة، إلا أنه لم يكشف عن سببها وسياقها ونتائجها، وقيل إن رئيس الحكومة لم يطلع على تفاصيلها ولم يكن على علم بها. وهو ما جعل هذه الزيارة تؤول في اتجاهات سلبية، بالقول إنها كانت تمهيدا لدعم سعودي إماراتي، حتى يكون هذا الرجل المرشح الرئيسي للانقلاب على السياق السياسي الراهن في تونس، والذي تحتل فيه حركة النهضة مكانةً بارزةً ومثيرةً للجدل في الداخل والخارج.

لكن الجورشي يستخلص من كل ذلك أن اللوبيات أصبحت تلعب دورا متعاظما في إدارة الشأن العام في تونس. لها مصالح وأهداف قريبة وبعيدة متضاربة. ولم يعد في الوسع إخفاء علاقات بعضها بأطرافٍ إقليميةٍ ودولية. كما أصبحت بعضها يدير صراعات محلية بالوكالة، ما يهدّد السيادة الوطنية، ويمس الأمن القومي.

الأمر الآخر بحسب الجورشي فإن هذه الإقالة كشفت أن الصراع على الحكم قد بدأ يتحول إلى خطرٍ، من شأنه أن يهدد كيان الدولة ووحدتها واستقلالها. ونظرا إلى أن المؤسسات والدستور لم يكتسبا القوة المطلوبة، أصبحت القوى الخفية ومجموعات المصالح قادرة على تحقيق اختراقاتٍ عميقة، وتصعد من تريد إلى مواقع حساسة ومفصلية في كامل هياكل الدولة. وبذلك، ينتقل التجاذب والصراع من خارج الدولة إلى داخل أعماقها.

والأهم مما سبق تفشّي هذه الضبابية السياسية القاتمة التي جعلت النخب، بمن في ذلك الأكثر قربا من السلطة ودوائرها، يصابون بالشك والخوف، ويفترضون سيناريوهاتٍ مرعبة، يحدث أصحابها عن قرب حدوث انقلاب خطير، سيعيد ترتيب الأوضاع في البلاد، وقد ينهي اللحظة الديمقراطية الراهنة.

وينتهي الجورشي إلى أن تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس لا تزال هشّة، وعرضة لتهديدات جدية، ولن يحميها إلا أهلها المخلصون لها، والمؤمنون بأنها المدخل الحقيقي لتحقيق نهوضٍ سيأتي، ولو بعد حين.

 

https://www.youtube.com/embed/m1N0AxOQ6WY” frameborder=”0″ allow=”autoplay; encrypted-media” allowfullscreen>

 

رابط دائم