كتب كريم محمد:

ظلت حكومة أبوظبي تتصادم مع الرؤية السعودية بشأن الاستعانة بالتيار الإسلامي السني في اليمن المتمثل في الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) في مواجهة الحوثيين باليمن، لأسباب تتعلق بالعداء التاريخي لأبناء زايد مع الإخوان ومشاركتهم في إجهاض الربيع العربي والانقلاب في مصر.

وجاءت انتصارات مقاتلي الإخوان (الإصلاح) على الحوثيين في عدن وطردهم منها، ومن مدن يمنية أخرى، وتحالفهم عسكريا مع التحالف الخليجي ضد الحوثيين لتزيد من رهان السعودية عليهم للخروج من ورطة اليمن.

وكان الرهان الإماراتي على الرئيس اليمني السابق علي صالح، ونجله أحمد المقيم في أبوظبي، كي يفض تحالفه مع الحوثيين ويعيد رسم الأوضاع مجددا في صنعاء بعدما ترسخت قوة الحوثيين بفضل النفوذ الايراني هناك. ولكن بعد اغتيال الحوثيين صالح، لم يعد أمام الإمارات والسعودية من إمكانية للتعامل مع الداخل اليمني بعيدا عن "الإصلاح"، والعودة للتحالف مع إخوان اليمن رغم عدائهم لجماعة الإخوان المسلمين، سعيا وراء مصالحهم في اللعب بالكارت الفائز هناك.

وتعادي السعودية والإمارات الإخوان بصورة غير مبررة خلال الفترة الأخيرة، على الرغم من التحديات الكبرى التي يتعرضون لها نتيجة الاستعلاء الإيراني، واستمر عداؤهم لإخوان اليمن حتى اقتنع ابن سلمان وحاول إقناع ابن زايد ليجري لقاء ثلاثيا بينهم وبين ممثلي إخوان اليمن في الرياض لبحث إحياء التحالف ضد الحوثيين.

ورغم التقارير عن أن الإمارات والسعودية تسعيان لتوريط مقاتلي الإصلاح في حرب مفتوحة مع الحوثيين في اليمن لاستنزاف الطرفين، وتركهما يقضي كل منهما على الآخر، تمهيدًا لدعم أحمد علي عبد الله صالح، المقيم حاليا في أبوظبي، ليصبح رئيسا للبلاد، إلا أن إخوان اليمن يدركون حقيقية هذه الأهداف ويتحركون بدافع وطني لا بطلب من الخليج.

ولكن حكومة أبوظبي روجت لما أسمته "تغير مفاجئ" في تصريحات قيادات حزب الإصلاح اليمني، الذين كانوا يصفون تواجد الإمارات في اليمن بالاحتلال ويطالبونها بمغادرة اليمن، لأن عدنان العديني نائب رئيس الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح اليمني قال حزب الإصلاح ليس عدوًا للإمارات، وليس لديه موقف ضدها.

وأعلنت الحكومة الإماراتية رسميا فتح صفحة جديدة مع حزب الإصلاح اليمني والتحالف معه عقب حالة من القطيعة استمرت 3 سنوات، وقال وزير الدولة للشئون الخارجية بدولة الإمارات أنور قرقاش إن حكومة بلاده قررت منح حزب الإصلاح اليمني "فرصة لاختبار النوايا".

وزعم قرقاش في تغريدة له على موقع تويتر أن "حزب الإصلاح اليمني أعلن مؤخرا فك ارتباطه بتنظيم الإخوان الإرهابي، أمامنا فرصة لاختبار النوايا وتغليب مصلحة اليمن"!!

"الإصلاح" سبب الأزمة
وكان واضحا أن هناك خلافات بين الجانبين السعودي والإماراتي حول تطورات الحرب في اليمن ولكن الخلاف الأكبر ظهر في سعي كل طرف لترجيح كفة فريق يمني على حساب الآخر.

فالإمارات لم تخف عداءها لحزب (الإصلاح) الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، ورغم دور قادة الحزب في تحقيق الانتصارات في عدن وطرد الحوثيين منها، وظل تعامل قوات الإمارات مع قادة الإخوان العسكريين فاترا، ويسعى لدعم العلمانيين، مثل خالد بحاح رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية اليمني الأسبق المقيم حاليا في أبوظبي.

وزاد غضب الإمارات حينما سعت السعودية لعزل مرشحها خالد بحاح، عن طريق الرئيس "هادي" وتعيين الجنرال علي محسن الأحمر المقرب من الإخوان المسلمين، نائبا لرئيس الجمهورية، والمكلف بإدارة الحرب ضد تحالف "الحوثي-صالح".

سبب آخر للغضب الإماراتي على السعودية والإخوان في اليمن، تمثل في الخسائر البشرية الضخمة والعسكرية حتى أنها خسرت قرابة 80-100 جندي، من بينهم 52 إماراتيا في أفدح خسارة لحقت بالجيش الإماراتي على مدار تاريخه خلال هجوم صاروخي للحوثيين أسفر عن مقتل ما يربو على 60 من قوات دول الخليج المتمركزة في وسط اليمن في سبتمبر الماضي، بخلاف إسقاط 3 طائرات هليكوبتر.

إذ تتهم الإمارات الإخوان، والسعودية بالتبعية، بأنها سمحت بهذا التواجد لقوات إسلامية في عدن لمحاربة الحوثيين، ما جعل قواتها تُحاط بجماعات إسلامية منها مجموعات من القاعدة، على الرغم من أن هذه القوات الإسلامية هي التي حمت قوات الإمارات في عدن فعليا.

معهد "بروكنجز": "إخوان اليمن" الحل
ودعا معهد "بروكنجز" الأمريكي، في دراسة حديثه له، الخليجيين إلى التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن (حزب الإصلاح اليمني)، مؤكدا أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لجلب الأمن لدول الخليج، لمواجهة التمدد الإيراني.

وقال المعهد ومقره واشنطن في دراسة للباحث "هشام بركات" مدير الأبحاث، بمركز بروكنجز فرع الدوحة: "تحتاج الرياض إلى إيجاد وسيلة لإشراك التجمع اليمني للإصلاح في محاولاتها لإنهاء الصراع وتهدئة المخاوف في أبوظبي والقاهرة بشأن أجندة الإخوان المسلمين على المدى الطويل".

وتابع: "يمكن لتحالف منهجي مع التجمع اليمني للإصلاح "تتم إدارته بشكل مدروس" أن يجلب الأمن إلى منطقة الخليج، في كلّ من اليمن والدول الأخرى، فيما التنافس بين إيران والسعودية في ازدياد مستمر".

ويضيف المركز: "في حين أن المملكة العربية السعودية قد خففت إلى حد كبير من موقفها المناهض لجماعة الإخوان المسلمين منذ وصول الملك «سلمان» إلى السلطة، في استجابة منه إلى التنافس المتصاعد مع إيران، وبالنظر إلى تاريخها الطويل من دعم قادة القبائل المنتمين لتجمع الإصلاح منذ الستينيات، فإن عضوين داخل التحالف هما الإمارات العربية المتحدة ومصر لا يزالان يحافظان على نفس المستوى من العداء تجاه الحركة".

ويقول المعهد: "من الواضح أنه لا يمكن تجاهل تأثير الإصلاح في اليمن، لقد بقي دور «حمود سعيد المخلافي» الذي قاد المقاومة الشعبية لطرد أنصار صالح من تعز، بارزا حتى بعد أن قام الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» بتعيين «شوقي حائل سعيد» كحاكم للمدينة، حيث واصل "المخلافي" ممارسة نفوذه كمحكم في المنازعات المحلية كما ظلت القوات التابعة له قوية نسبيا.

وتابع "بروكينجز" يقول: "وعلى الرغم من دورهم في حفظ تعز بعيدا عن سيطرة الحوثيين، فإن التجمع اليمني للإصلاح قد اُتهم بالخيانة من قبل «أنور قرقاش»، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، والذي غرد بالقول: «لولا فشل التجمع اليمني للإصلاح وأعمال الإخوان المسلمين لكنت تعز محررة بشكل كامل الآن".

ويشير تحليل معهد بروكينجز لأن أعضاء التحالف الرئيسيين الآخرين، مثل المغرب والأردن والكويت، "يفضلون أيضا التقارب البراغماتي مع الإصلاح"، على الرغم من أنها تفرض قيودا محليا على الإخوان المسلمين، ولكن الدول الثلاث تعلمت أن تتعامل مع الجماعة كشأن محلي.

القصة ليست بالتالي محاولة إماراتية لاستغلال إخوان اليمن لمحاربة حربهم في اليمن ثم الانقلاب عليهم -كعادتهم- ودعم أحمد بن صالح نجل الزعيم اليمني الراحل، ولكن إدراكا لقوة الإخوان في اليمن وصعوبة إدارة المعادلة دونهم.

كما أن إخوان اليمن لن يقدموا أي تنازلات للإمارات، على العكس هم مستمرون في حربهم ضد الحوثيين ولكنهم سيأمنون هذه المرة أي عرقلة إماراتية أو تآامر والتفاف عليهم في ساحة المعارك بهذه الاتفاق الجديد في الرياض.

وفي كل الأحوال ستصب أي هزيمة للحوثيين في صالح أهل اليمن وحزب الإصلاح، والإخوان، بينما الدور الإماراتي سيظل غير مرحب به بسبب دعمها الثورات المضادة وسعيها لإعادة نجل المخلوع صالح لحكم اليمن حال نجحت في حصار الحوثيين وطردهم من العاصمة مع التحالف الخليجي. 

رابط دائم