تمر اليوم الذكرى الـ23 لمجزرة المسلمين البوسنيين في مدينة “سربرنيتسا”، وجدد الذكرى عثور البوسنيين من سكان المدينة على مقبرة جماعية جديدة تضم 35 من رفات ضحايا حملة الإبادة للمسلمين في البوسنة قلب أوروبا، وما زال البحث جاريا عن 2000 آخرين بين ما يقارب 8 آلاف مسلم، فلم يبق في المدينة رجال فضلا عن الاغتصاب الممنهج للنساء المسلمات، على يد وحدات من الجيش الصربي تحت قيادة “رات” بتواطؤ دولي من قوات الأمم المتحدة ضد المسلمين.
ودأبت السلطات البوسنية، في ذكرى المذبحة التي تصادف 11 يوليو من كل عام، على إعادة دفن مجموعة من الضحايا، الذين توصلت إلى هوياتهم، في مقبرة “بوتشاري” أو المجزرة.

وقف المسلمون في المدينة، أمس الأربعاء، ليصلوا الجنازة بين شواهد القبور التي يحكي كل منها حكاية مؤلمة، جددت أحزان النساء من الألم الذي صاحب هذه الذكرى فلأكثر من عقدين لم تطوي حقبة الألم فذكراها متجددة.
يصف الصحفي أسعد طه مراسل الجزيرة في البوسنة 1995 وكان يقدم برنامج “نقطة ساخنة” أن واحدة من حلقاته عن سربرنيتسا كانت “من أكثر الحلقات التي آذتني كثيرا أثناء صناعتها”، لافتا إلى أنه “في مثل هذا اليوم من كل عام تصمت الشوارع والمقاهي في سراييفو حيث تغيب الموسيقى حدادا في ذكرى المذبحة التي مازال المسلمون يدفنون ضحاياهم منها حتى اليوم .. تمر الأيام وتزداد مذابحنا”.

نضال لمنع تكرار المجازر
وفي خضم متلاطم من الأحداث الجسام التي يمر بها العالم الإسلامي، تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالنضال من أجل منع تكرار جرائم في مناطق بالعالم مثل “مجزرة سربرنيتسا” بالبوسنة، وأشار في تغريدة على حسابه على تويتر إلى أن المجزرة تعد واحدة من أبشع الجرائم التي حصلت وسط أوروبا.
وارتكبت القوات الصربية العديد من المجازر بحق مسلمين، إبان فترة حرب البوسنة، التي بدأت في 1992 وانتهت في 1995، عقب توقيع اتفاقية “دايتون”، وتسببت الحرب بإبادة أكثر من 300 ألف شخص، وفق أرقام الأمم المتحدة.
ودفن الصرب المسلمين البوسنيين في مقابر جماعية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، أطلقت البوسنة أعمال البحث عن المفقودين وانتشال جثث القتلى من المقابر وتحديد هوياتهم.

المؤامرة الهولندية
في إبريل 1993 أعلنت الأمم المتحدة بلدة سربرينيتسا الواقعة في وادي درينا في شمال شرق البوسنة “منطقة آمنة” تحت حماية قوات الأمم المتحدة. وفي 24 مارس 2007 اعتمد التجمع البلدي لسربرنيتشا قرارًا بالانفصال عن صربيا مع البقاء مع البوسنة والهرسك، الأعضاء الصرب للتجمع رفضوا القرار.
وكان من المفترض أن تكون سربرينتسا آمنة تحت حماية كتيبة هولندية تابعة للأمم المتحدة، إلا أنها تابعت إبادة المسلمين دون أن تحرك ساكنا، بل قامت بتسليم الفارين إليها من المدنيين للقوات الصربية لقتله.

طريق الموت
ويطلق البوسنيون على الغابات التي فروا عبرها خارج سربرنيتسا اسم طريق الموت، لأنّ القوات الصربية كانت تنصب فيها الكمائن لإبادتهم.وتعد مجزرة سربرنيتسا أكبر مأساة إنسانية وقعت في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، نظرًا لكم العنف والمجازر والدمار الذي تخللها.
الأهداف الإستراتيجية التي أعلنتها رئاسة صِرب البوسنة هي إقامة الحدود لفصل الصرب عن المجموعات العرقية الأخرى وإالغاء الحدود على طول نهر درينا التي تفصل بين صرب البوسنة وصربيا. وقد كان المسلمون البوسنين البوشناق عقبة أمام هذا المشروع العنصري.
وفي الأيام الأولى من التهجير القسري التي تلت بداية الحرب في نيسان 1992 احتلت القوات الصربية مدينة صربيا التي أُستعيدت لاحقًا من قبل المقاومة البوسنية.

12 ألفا
ويصحح الكاتب السعودي أحمد بن راشد بن سعيد الرقم الخاص بأعداد الضحايا من 8 إلى 12 الفا، وقال: “لم تكن مذبحة صغيرة، إذ حصدت أرواح نحو 12000 ألف مسلم، معظمهم من الذكور..بلغ عدد من دُفنوا حتى الآن 6471 شهيداً. كان شهر تموز 1995 كابوساً على تلك المدينة الواقعة شرقي البوسنة، إذ لم تكتف الامم المتحدة والدول الغربية بتسليمها إلى الصرب، بل سمحوا بذبح رجالها، واغتصاب نسائها.

مدى الحياة
وفي نوفمبر الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي، حكما بالسجن مدى الحياة ضد الجنرال الصربي راتكو ملاديتش، بسبب دوره في الإبادة الجماعية ضد المسلمين التي وقعت في سريبرينيتسا عام 1995. وملاديتش هو قائد القوات المسلحة في جمهورية الصرب، ولقب بجزار البلقان لدوره في المجزرة.

ولدى إعلان استقلال البوسنة عام 1992 حاصرت قواته العاصمة سراييفوا وقصفتها بالمدفعية الثقيلة، وتم تعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة في صربيا وظل في هذا المنصب حتى عام 1995.
وامتدت محاكمة السفاح على مدار 22 عامًا بين الاتهام والحكم، فصارت من بين أكبر الأحداث القضائية في التاريخ الحديث، حيث إنها تمثل أسوأ جريمة في أوروبا منذ محرقة الهولوكوست.

رابط دائم