خلال سنوات ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013، تلقى الشعب كثيرا من الوعود المعسولة من رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، بأن مصر سوف تصبح دولة كبيرة تتمتع بالرفاهية والاستقرار “بكرة تشوفوا مصر”، وخلال ترشحه قبل مسرحية 2014، تعهد الجنرال في حواره مع كل من إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، بأن مصر سوف تتغير جذريا خلال سنتين على أقصى تقدير.
وخلال السنتين، شهدت مصر عدة حملات دعائية ضخمة لم تشهد مثلها من قبل، للترويج لتفريعة قناة السويس، التي أطلق عليها أبواق النظام “قناة السويس الجديدة” وأنها سوف تدر دخلا قدره 100 مليار دولار، ما يحقق طفرة في الدخل القومي للبلاد، ثم جاء المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ في مارس 2015، وقيل وقتها إن حجم الاستثمارات التي تم التعاقد عليها خلال المؤتمر 182 مليار دولار!

لكن التفريعة انتهت وتم افتتاحها في احتفال أسطوري ضخم ولم تحقق إيرادا يذكر، بل بدأت هيئة القناة في الاستدانة لأول مرة في تاريخها حتى بلغت ديونها “ملياري دولار”، إضافة إلى 8 مليارات دولار هي قيمة الأموال التي حصلتها الحكومة من بيع شهادات القناة. أما المؤتمر الاقتصادي فتمخض عن وعود بمساعدات من دول الخليج بحوالي “12,5” مليار دولار ولم ير الشعب أي استثمار على الإطلاق.
وفي نهاية 2016 جرت عمليات ما يسمى زورا بالإصلاح الاقتصادي؛ حيث تم تحرير سعر صرف الجنيه، ورفع أسعار الوقود فتآكلت قيمة الجنيه وتآكلت مدخرات المصريين، وشهدت الأسعار قفزات جنونية، وتبخرت وعود النظام بالرفاهية ورفع مستوى المعيشة، ولم ترتفع سوى أسعار السلع والخدمات كالكهرباء والمياه والاتصالات ووسائل النقل وكل الخدمات والسلع.

أين أموال السعودية والإمارات؟
يقول المحلل الاقتصادي مصطفى عبدالسلام: «لو تلقت دولةٌ مساعدات ومنحاً خارجية تبلغ قيمتها نحو 70 مليار دولار في غضون سنوات معدودة، لتمكن نظامها الحاكم من تسوية الدولة كلها بالأرض وإعادة بنائها من جديد على أحدث طراز عالمي، ولامتلأت البلاد بآلاف الأبراج السكنية، وناطحات السحاب ومقار الشركات العملاقة، وشبكات طرق لا مثيل لها في العالم، ولأقيمت بنية تحتية قوية ومستشفيات ومدارس وجامعات مزودة بكل الإمكانيات الحديثة، ولتحوّل العباد داخل هذه الدولة إلى مليونيرات أو على الأقل أصحاب مشروعات استثمارية ورصيد لا بأس به في البنوك».

ويضيف «ولو تلقت دولة شحنات نفطية “يبدأ أولها من دبي وآخرها عند قناة السويس”، كما أعلن مسؤولون إماراتيون في يوليو/تموز 2013، لعامت الدولة على بحيرة من المشتقات البترولية ولغرق أهلها في بحار البنزين والسولار وغيرها من منتجات الوقود».
ويستدرك الخبير الاقتصادي «لكن ما حدث في مصر منذ انقلاب 3 يوليو يشي بغير ذلك، فقد تلقى المواطن والاقتصاد ضربات موجعة لم تتوقف حتى اللحظة، ولا يوجد بادرة أمل باندحارها في المستقبل القريب، كما تعرض المواطن لسلسلة من التصريحات الخادعة والوعود البراقة والآمال العريضة».

مؤشران خطيران
وفي مقاله «5 سنوات عِجاف في مصر فمتى السبع السّمان؟»، يضيف عبدالسلام، «مرت 5 سنوات على الانقلاب في مصر، ولن أغرق هنا في الأرقام، ولكن سأتوقف عند مؤشرين يلخصان حالة مصر الاقتصادية خلال 5 سنوات، الأول يتعلق بالحالة المعيشية للمواطن، والثاني بمؤشرات الاقتصاد الكلي.
بالنسبة للمؤشر الأول من حق المواطن أن يسأل نفسه: هل تحسنت أحواله المعيشية طوال السنوات الخمس العجاف، هل توقف قطار ارتفاع الأسعار المتواصل، هل زاد راتبه وتحسن دخله، هل تم بناء مستشفيات ومدارس وجامعات جديدة، أم تم بناء عشرات السجون؟
نعم تحسنت الخدمات المتعلقة بالكهرباء والوقود، لا أحد ينكر ذلك، لكن التكلفة كانت مرتفعة جدا، فالحكومة حصلت على قرض بقيمة 23 مليار دولار من السعودية لشراء الوقود من الخارج، كما حصلت على مليارات الدولارات لتحسين شبكة الكهرباء وبناء محطات جديدة.
أما بالنسبة للمؤشر الثاني المتعلق بمؤشرات الاقتصاد الكلي، فيكفي أن نقول إن مصر أصبحت مدينة بأكثر من 5 تريليونات جنيه، أي بأكثر من 280 مليار دولار، منها ما يزيد على 90 مليار دولار ديونا خارجية بنهاية يوليو 2018، وأن هذا الدين تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية، وأن مصر اقترضت في أقل من عامين (نوفمبر 2016 – يوليو 2018) ما لم تقترضه في 50 عاماً، وأنه رغم زيادة الأسعار وخفض الدعم الحكومي فإن العجز في الموازنة العامة للدولة ما زال يسجل قفزات متواصلة.

رابط دائم