انتهت انتخابات حزب الوفد (أحد أقدم الأحزاب الليبرالية)، التي أقيمت الجمعة 30 مارس الماضي، إلى فوز رئيس اللجنة التشريعية في برلمان 30 يونيو، بهاء الدين أبو شقة، برئاسة الحزب، متفوقا على أقرب منافسيه، المهندس حسام الخولي؛ وذلك بعد انتهاء الولاية الثانية للدكتور السيد البدوي، وعدم قدرته على الترشح مجددا وفقا للائحة الجديدة للحزب، التي تقيد رئاسة الحزب بفترتين فقط.

وتنافس على رئاسة الوفد 4 مرشحين: “الأول” المستشار بهاء الدين أبو شقة، السكرتير العام والمدعوم من الحرس القديم والقيادات الوفدية القديمة، وهو أيضا مرشح الدولة والمدعوم من نظام عبد الفتاح السيسي، و”الثاني” المهندس حسام الخولي، نائب رئيس الحزب والمدعوم من رئيس الحزب المنتهية ولايته الدكتور السيد البدوي والموالين له، و”الثالث” الدكتور ياسر حسان، مساعد رئيس الحزب، و”الرابع” علاء شوالي، عضو الهيئة الوفدية وحفيد الزعيم الراحل سعد زغلول. بينما أعلن سيد طه فايز، أصغر مرشح لرئاسة حزب الوفد، انسحابه من انتخابات رئاسة الحزب، وتأييده للمهندس حسام الخولي.

وأعلنت اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب الوفد، النتائج النهائية وفوز المستشار بهاء أبو شقة برئاسة الحزب، حيث شارك في الانتخابات 2536 عضوًا من إجمالي (4433) لهم حق التصويت، وبلغت الأصوات الصحيحة (2503)، والباطلة (33) صوتا. وحصل أبو شقة على (1384) صوتا، والخولى على (900) صوت، وياسر حسان (123) صوتا، وعلاء الأشوانى على (24) صوتا، وسيد طه على صوتين فقط.

وشهد حزب الوفد، خلال السنوات الماضية، صراع أجنحة بين الحرس القديم الذي يمثله بهاء الدين أبو شقة، والمدعوم من القيادات الوفدية القديمة، وهم: “محمود أباظة، الرئيس السابق للحزب، ومصطفى الطويل، الرئيس الشرفي للحزب، وأحمد عودة، وأحمد عز العرب، ومنير فخري عبد النور”، فضلًا عن المفصولين في عهد رئيس الحزب المنتهية ولايته الدكتور السيد البدوي، وأبرزهم فؤاد بدراوي، وعصام شيحة.

أما الجناح الثاني فيمثله الدكتور السيد البدوي، ومحمد فؤاد، وسليمان وهدان، وطلعت السويدي، أعضاء الهيئة البرلمانية، وبعض قيادات الهيئة العليا، أبرزهم ياسر الهضيبي، وياسر قورة، وهاني رسلان، وهو الجناح الذي دعم المهندس حسام الخولي الذي خسر رئاسة الحزب أمام “أبو شقة”.

وتطور صراع الأجنحة داخل الحزب، بحسب دراسة نشرها “الشارع السياسي” مؤخرا، حيث اتهم “بهاء أبو شقة” جناح السيد البدوي وحسام الخولي باختطاف الحزب وإدارته بالمال السياسي، وأنه سيعمل على محاربة ذلك.
كما اتهمت قيادات وفدية أخرى البدوي بالاستعانة بالمستوفدين الدخلاء لاحتلال الحزب والسيطرة عليه والسطو على مناصبه العليا، مطالبين الوفديين الأصلاء بتحرير الحزب من خاطفيه.

فيما تتهم جبهة الحرس القديم جبهة البدوي بتعمد تهميش الوجوه الوفدية القديمة والاستعانة برموز من الحزب الوطني المنحل لدعم جبهته، منهم المهندس ياسر قورة نائب رئيس الحزب، وياسر الهضيبي الذي ترشح سابقا على قوائم الوطني المنحل، واللواء أمين راضي وغيرهم، وهو ما لاقى اعتراضا من بعض أعضاء الهيئة العليا للحزب.

كما شهدت الانتخابات على رئاسة الحزب اشتباكات لفظية بين الجبهتين واتهامات متبادلة بشراء الأصوات، واستخدام أساليب غير نزيهة في التأثير على أعضاء الهيئة الوفدية.

وكذلك تتهم قيادات وفدية رفيعة من الحرس القديم رئيس الحزب المنتهية ولايته السيد البدوي، بتدمير الحزب خلال السنوات التي قضاها رئيسا للحزب، ومع اشتعال الأزمة منتصف عام 2015، تدخل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي لتهدئة الأمور وإصلاح ذات البين بين الجناحين، لكنه فشل في ذلك، وصدر قرار من الهيئة العليا للحزب بفصل 7 من قيادات الحرس القديم “تيار الإصلاح”، الأمر الذي فاقم الأزمات ووسع الفجوة بين الجناحين.

وفي سياق متصل، تتهم قيادات من الحرس القديم السيد البدوي بفساد الإدارة وتبديد أصول وممتلكات الحزب وأمواله التي كانت تقدر بالملايين (450 مليونا). بل اتهموه أيضا بإضعاف الحزب وتهميش دوره السياسي، مشككين في حصة الحزب بالبرلمان والذي يعد ثاني كتلة بعد المصريين الأحرار، مؤكدين أن الجميع يعرف كيف تمت عملية تقسيم هؤلاء النواب.

تأميم الوفد لصالح السيسي

ورغم المساوئ الكثيرة التي يعددها الحرس القديم لرئيس الحزب المنتهية ولايته الدكتور السيد البدوي، إلا أن مواقف الرئيس الجديد للحزب أكثر سوءا وانحرافا، بل يمكن الجزم إن حزب الوفد انتقل من جيب السلطة الأيمن في عهد البدوي إلى جيبها الأيسر مع أبو شقة، حيث إن أبو شقة برلماني مُعين من قبل السيسي، وهو حاليا رئيس اللجنة التشريعية بمجلس نواب 30 يونيو. وكان عرابا لصفقة الدفع بالسيد البدوي للقيام بدور الكومبارس في مسرحية انتخابات الرئاسة الأخيرة، حيث تقابل مع أعضاء الهيئة العليا محاولا إقناعهم بالدفع بمرشح تلبية لرغبة نظام الجنرال السيسي، وسترا للنظام من فضيحة عدم وجود منافس، فلما رفضت الهيئة العليا دفع النظام بموسى مصطفى موسى في الدقائق الأخيرة قبل غلق باب الترشيح، ووفر له كل مسوغات التقديم من وثائق ومستندات وتزكيات من نواب بالبرلمان.

وفي استقراء لأداء أبو شقة البرلماني، الذي يؤهله لتحويل حزب الوفد إلى كومبارس سياسي في المسرحية الكبيرة في مصر في عصر التأميم، فقد لعب دورا فاعلا في تمرير حزمة من التشريعات “سيئة السمعة”، والمُقيدة للحريات، على غرار تعديلات قوانين السلطة القضائية، وتنظيم حق التظاهر، والكيانات الإرهابية، والطوارئ، وعزل رؤساء الهيئات الرقابية، وإلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، علاوة على اتفاقية التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية.

ومنذ توليه منصب رئاسة لجنة الشئون التشريعية في مجلس النواب، منذ انعقاده في يناير2016، وتصدى رافضا جميع طلبات رفع الحصانة المقدمة من النيابة العامة بحق عشرات النواب من المتورطين في قضايا “تزوير ونصب واحتيال”، بهدف تحصين أعضاء البرلمان من المساءلة القانونية، باستثناء النائبة سحر الهواري، الصادر بحقها حكم نهائي بالسجن لمدة خمسة أعوام لإدانتها في قضية إفلاس.

كما أن نجل أبو شقة، محمد، أحد المحسوبين على دائرة السيسي المقربة، إذ يشغل منصب مستشاره القانوني، والمتحدث باسم حملته الانتخابية منذ عام 2014، واشتهر بتولي الدفاع عن قضايا رجال أعمال نظام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، وهو من أعد مذكرة النقض على حكم إعدام رجل الأعمال، هشام طلعت مصطفى، ليقضي على إثرها أقل من سبع سنوات في السجن. وفي مطلع عام 2016، نشر العضو السابق بحملة السيسي الانتخابية، حازم عبد العظيم، شهادته عن كواليس تشكيل قوائم الانتخابات النيابية (مثلت نواة البرلمان الحالي)، داخل أروقة جهاز الاستخبارات العامة، في حضور وكيل الجهاز الأمني، وأربعة من ضباط الاستخبارات، من بينهم نجل السيسي (محمود)، وأبو شقة (الابن)، الذي لعب دور الوسيط في هذه الاجتماعات.

وعلى الجانب الآخر ترى دوائر الاستخبارات ودائرة السيسي أن «الوفد» حزب يليق بالمنافسات الانتخابية من المحليات للرئاسة.

كما أن شواهد أطروحات وأفكار«أبو شقة» السياسية لا تبتعد كثيرًا عما يراه النظام الحاكم، بعكس حسام الخولى أبرز منافسيه وأقواهم الذي كان يرى ضرورة إفساح المجال للديمقراطية، وكان يتحدث دائمًا بندية لا تريح الدولة، ولا تجعلها تأمن للتعامل معه. وهو ما يجعلها من الآن في مأمن من فخ موسى مصطفى موسى، المرشح المغمور الذي دخل السباق الرئاسي ووضع نظام 30 يونيو في حرج بالغ أمام الرأي العام الدولي.

رابط دائم