على الرغم مما يتمتع به الرئيس الأميركي من مكانة رفيعة، وصلاحيات واسعة، في النظام السياسي الأميركي، إلا أنه، في نهاية الأمر، منوط به تنفيذ الاستراتيجية التى تحقق المصالح العليا للولايات المتحدة الأميركية، والتى تضعها شبكة واسعة ومعقدة من المؤسسات الأميركية رفيعة المستوى، وتلك المؤسسات هي من تتابع أيضاً تنفيذ تلك الاستراتيجيات، وتحقيق الأهداف المقرّرة، سواء على المستوى الخارجي، أو الداخلي. وللرئيس الأميركي، كل رئيس، أن يتبع، فى سبيل ذلك، السياسات التي يراها كفيلةً بتحقيق تلك الأهداف التي تعود على المصالح العليا للشعب الأميركي. ولا يختلف الرئيس دونالد ترامب في ذلك عن غيره من الرؤساء الأميركيين السابقين عليه، وإن يختلف عنهم فى سياساته، وأساليبه الفجّة، والمباشرة، والتي تصل إلى حد الصفاقة، وعدم اللياقة المعتادة في أساليب الرؤساء، ويبدو، في أغلب المواقف، في صورة رجل الأعمال النهم، وراعي البقر القحّ. إذاً نحن أمام استراتيجية أميركية لها أهداف عليا في المنطقة، ورئيس أميركى يتبع سياسةً غير مسبوقة لتحقيق تلك الأهداف.

ذلك ما يتعلق بترامب، أما ما يتعلق بالعرب فهناك أيضاً ثنائية أصبحت واضحةً بشكل كبير في الحالة العربية، وهي ثنائية نُظم الحكم، والشعوب أو الرأي العام الشعبي، فلنظم الحكم على كل تنويعاتها، الملكية والجمهورية والأميرية، وجهة نظر ورؤية خاصة بالمصالح الوطنية، وأيضاً بالأمن القومي لكل دولة، وكيفية تحقيق ذلك، لا تتفق بالضرورة، وفي كل الحالات، مع التوجهات العامة للشعوب، ولعل أكثر مثال لتوضيح تلك النقطة بالتحديد، ما يصرّح به المسؤولون في دولة العدو الإسرائيلى من رئيس الحكومة، نتنياهو، إلى وزرائه، من أنهم لا يجدون مشكلة مع الحكومات العربية، ومشكلتهم الرئيسية هي مع الشعوب العربية. هذا جانب مهم، بطبيعة الحال، ولكن هناك جوانب أخرى، تتعلق بمفهوم “العرب” نفسه، فليس كل العرب يعيشون على وتيرة واحدة، ويعانون من المشكلات نفسها، ولديهم الطموحات نفسها، وتجمعهم القضايا نفسها، فهناك عرب المشرق بتنوعاتهم، وهناك عرب المغرب بتوجهاتهم، وهناك عرب النفط والثروات والصحراء، والحكم العشائري لملوك وأمراء ومشايخ، وهناك عرب الحضارات القديمة والكثافات السكانية المرتفعة، والضائقة الاقتصادية، والحكم الرئاسي للنخب القادمة، في الأغلب، من المؤسسات العسكرية، وهناك أيضاً عرب الطوق، أو الجوار المباشر مع العدو الإسرائيلي. وكل هؤلاء العرب يجتمعون تحت مظلة منظمة إقليمية واحدة، هى جامعة الدول العربية، والتي بدلاً من أن تُمثل الإرادة الجمعية للأمة العربية، تحولت إلى ما يشبه الصالون الثقافي الذي يجتمع فيه تارة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، ملوك الدول العربية ورؤساؤها، في شكل مؤتمرات للقمة، أو يجتمع فيه أصحاب السعادة وزراء الخارجية، أو السادة المندوبون الدائمون لدى الجامعة.. وفي كل الأحوال، تنتهي الاجتماعات بقراراتٍ وبياناتٍ لا تتجاوز حدود الأوراق التي كُتبت عليها. ولكن تبقى قضايا العرب الوجودية، وهي، بالتحديد القضية الفلسطينية، والمشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي فى العالم العربي، وقضايا استقلال الإرادة والحرية، وحقوق الإنسان، والعدالة، تبقى كل تلك القضايا معلقةً تبحث عن حلٍّ بلا جدوى.

تبقى المنطقة، أو ما اصطلح الغرب على تسميتها بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، محل الصراع الرئيسي ما بين أميركا، واستراتيجيتها نحو تلك المنطقة، والتى منوط برئيسها ترامب مهمة تحقيقها، بالتنسيق مع حليفه الاستراتيجى الرئيسي في المنطقة، دولة العدو الإسرائيلي، وبين القوى الإقليمية المناوئة لهما، لتعارض المصالح، وهي تركيا وإيران. ويبقى العرب، أصحاب الأرض، وأصحاب الحق، مجرد أدواتٍ يسعى كل طرفٍ إلى استخدامها لتحقيق أهدافه.

في ذلك الإطار، ماذا تريد أميركا وإسرائيل، بالضبط؟ وكيف يمكنهما تحقيق ما تريدان؟ المطلوب ومن دون تفاصيل، دول عربية في الشرق الأوسط، منزوعة الجيوش الاحترافية القادرة على خوض الحروب المتكافئة والمتناسقة في مواجهة تهديدات إقليمية جدية، مع إمكانية وجود قوات مسلحة ذات تنظيم وتسليح حديث وخاص، يناسب المعارك السريعة، خفيفة الحركة، في مواجهة التنظيمات والحركات المتطرّفة والإرهابية، وهى ما تُعرف بالحروب اللاتناسقية “الحرب ضد الإرهاب”، وتلك القوات أيضاً تكون قادرةً على حماية النُظم السياسية والأمن الداخلي، في مواجهة الثورات، والاضطرابات العنيفة المناهضة لها. أيضاً، يجب أن تكون تلك الدول منزوعة الأيديولوجيات، سواء كانت أيديولوجيات دينية، أو ذات طابع قومي. لتحقيق ذلك، على تلك الشعوب أن تنشغل تماماً بقضاياها الحياتية، ومشكلاتها اليومية، وعلى نُظمها السياسية أن تنشغل بالحفاظ على سلطتها.

هذا بالضبط ما يفعله ترامب، على النُظم أن تبقى دائماً في حالة شعور بالخطر، والحاجة إلى الحماية الأميركية، وعليها أن تدفع المقابل، إذا ما كانت تمتلك الثروة، أو تنصاع لما يُطلب منها إذا لم تكن تملك. وعلى الشعوب أن تبقى دائماً في حالة الشعور بالفقر، والأزمة الاقتصادية، والحاجة إلى المساعدة والقروض. وفي ظل هذا المناخ العام، تظهر إسرائيل باعتبارها جارا يسعى إلى السلام، وإلى التصدّي للتهديدات “المشتركة” التي تتعرّض لها دول المنطقة. وبالتالي، لا مجال للحديث عن قضية فلسطينية، ولا عن أرض محتلة، ولا عن مشروع صهيوني. ولكن الحديث فقط عن صفقة ترامب لسلام المنطقة، ليعيش الجميع فى سلام هادئ بعيداً عن قضايا الأرض والحق والكرامة.. أو ما يمكن تسميته “الإستسلام اللذيذ”.

يبقى الموقف من إيران وتركيا. بالنسبة لإيران تبقى استراتيجية التعامل الأميركي معها لا تتغير على مدى قرابة 40 عاماً، هي الصديق اللدود، فلا هي صديق، ولا هي عدو، تفرض عليها عقوباتٍ مؤلمة، لكنها غير مدمرة. تقاطعها علنا، وتتعامل معها فى الخفاء بطرق غير مباشرة. وتحقق في ذلك أهدافها في تخويف من تريد من النُظُم العربية، وتستخدمها فزاعة دائمة. أما بالنسبة لتركيا، فهى حليف رسمي وعضو رئيسي فى حلف الناتو، وثانى أكبر قوة عسكرية فيه. وطموحاتها كبيرة فيما يتعلق بمستقبل المنطقة، وتسعى إلى أن تلعب دوراً رئيسيا في رسم مستقبل الشرق الأوسط الذي تعتبر نفسها الأحقّ بريادته، بحكم عمقها التاريخي، وعلاقاتها الممتدّة، وتوجهاتها الثقافية والدينية. لذلك، تتميز استراتيجية أميركا فى التعامل مع تركيا بالحرص، فهى لا تقطع بالعداء معها، وأيضاً لا تبدي صداقة حميمية. وتبقى في سياق ما يمكن تسميتها سياسة “الشد والجذب”، فلا تسمح لها بحرية حركة مطلقة في المنطقة، ولا تُضيق عليها أكثر من اللازم؟

لعل ذلك يُفسّر الدوافع وراء أسلوب تعامل ترامب الفجّ مع بعض زعماء المنطقة، وخصوصا التركيز على فكرة الحماية الأميركية للنُظم والعروش وكراسي الحكم وكيانات الدول، ضد تهديدات وجودية، وأيضاً يُفسّر دخول مؤسسات الإقراض، والتمويل الدولية، لإتاحة القروض، والتسهيلات الائتمانية بعشرات مليارات الدولارات، لتكبيل دولٍ عديدة بالقروض المتراكمة، إضافة إلى تسهيل عقد الصفقات المليارية لشراء الأسلحة، ولتمويل ما يُعرف بالمشروعات العملاقة.

ينفذ ترامب الاستراتيجية الأميركية، والعرب ما بين نُظم تتعرّض لكسر هيبتها وشعوبٍ تعاني من القهر والفقر، ومنطقة تتعرّض لإعادة هيكلة جذرية، تقضي على هويتها.

هجمة حضارية عاتية، تتعرّض لها الأمة، فهل ستصمد الأمة فى مواجهتها؟ سؤال سيبقى معلقاً، لأن من يملك الإجابة عليه هي الشعوب.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم