كشف تقرير صحفي تداعيات حوادث ترحيل بعض الشباب المعارض للانقلاب من مطارات دولية، لمطار القاهرة، وتسليمهم لسلطات الانقلاب، مشيرا الى مخطط خبيث قام فيه نظام الانقلاب بتفعيل أكواد أمنية لكافة رموز المعارضة في مصر، وتسليمها على قوائم سوداء للانتربول الدولي، الأمر الذي أدى لتوقيف مصريين في مطارات أوروبية، وصلت في نهاية الأمر، لدول رافضة للانقلاب مثل تركيا وماليزيا، بعد أن أدرجت أسماؤهم على قوائم الإرهاب.

وقال التقرير المنشور على صحيفة “الاستقلال” التركية، اليوم الجمعة، إنه منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013، والنظام القمعي في مصر يعمل على مطاردة معارضيه في الخارج، وتصفية قضيتهم الرافضة لوجوده، مستخدما في ذلك عددا من الوسائل والتكتيكات لمحاصرتهم، بداية من إصدار قوائم مطلوبين مقدمة إلى الإنتربول، وتفعيل كود أمني خاص بالإرهاب أدرج عليه أسماء رموز المعارضة لتسهيل القبض عليهم وتوقيفهم في مختلف مطارات العالم، وكذلك عقد اتفاقات أمنية مع بعض الأنظمة والحكومات، يتم بموجبها القبض على المدرجين على لوائح المطلوبين لديها وترحيلهم.

وأشار التقرير إلى حادثة ترحيل ماليزيا 6 معارضين لمصر منتصف مارس 2019، في ظروف غامضة، ودون الإحاطة بملابسات واضحة لأسباب الترحيل، جاءت صادمة للكثيرين، خاصة أنها لم تكن الواقعة الأولى، فسبقها ترحيل محمد عبد الحفيظ المهندس المصري المحكوم عليه بالإعدام، من مطار أتاتورك في إسطنبول إلى القاهرة في 18 فبراير 2019.

ترحيل بالخطأ

وفي الوقت الذي بدت فيه واقعة الترحيل من ماليزيا وقبلها من إسبانيا متعمدة، وبعلم أجهزة الدولة هناك أو بعضها على الأقل، فإن حادثة الترحيل الوحيدة من تركيا جاءت بالخطأ، حيث تم تحويل 8 ضباط في المطار للتحقيق ووقفهم عن العمل. كما وافقت السلطات الرسمية التركية لاحقا على استقدام زوجة عبد الحفيظ وابنه إلى إسطنبول، لتكون مع والديها المقيمين هناك.

ونقل التقرير عن مصادره أنه في 10 مارس 2019، أعلنت أجهزة الأمن الماليزية ترحيل 6 مصريين وتونسي يشتبه بصلتهم بجماعات متشددة في الخارج، ورغم احتجاجات قامت بها جماعات حقوقية أعلنت عن مخاوفها من تعرض هؤلاء الأشخاص للانتهاكات والتعذيب في مصر، لكن المفتش العام للشرطة الماليزية محمد فوزي هارون قال في بيان: “إن من بين المشتبه بهم 5 أشخاص اعترفوا بأنهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين في مصر والإمارات والسعودية والبحرين”، مضيفا أن “التونسي وأحد المصريين المرحلين من أعضاء جماعة أنصار الشريعة التونسية التي أدرجتها الأمم المتحدة كجماعة إرهابية”.

وشاية مخابرات

وكشفت المصادر أن رئيس حزب “عدالة الشعب” أنور إبراهيم في كلمته أمام البرلمان المركزي كشف عن مخاوفه من اختراق استخباراتي خارجي، أدى إلى تسليم الأشخاص السبعة دون علم أعضاء الحكومة ورئيسها مهاتير محمد.

وأضاف إبراهيم لأعضاء البرلمان: “إن السلطات الماليزية يجب أن تتصرف وفقا للقانون واعتمادا على معلومات صحيحة ومؤكدة، وليس بناء على وشاية من مخابرات أجنبية”، في حين حذر من تمادي الشرطة وأجهزة الأمن في التصرف دون علم الحكومة.

كما أكد التقرير ضلوع المملكة العربية السعودية في مساعدة نظام الانقلاب في ملف الترحيلات؛ خاصة وأن للمملكة باعا طويلا في أروقة السياسة والحكم بماليزيا، أقر بذلك وزير الشؤون الخارجية السعودى عادل الجبير عندما اعترف في تصريحات سابقة حسبما ذكر موقع الجزيرة نت، بأن العائلة المالكة في الرياض أودعت في حساب رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق الذي خسر الانتخابات في 2018 أمام رئيس الوزراء الحالي مهاتير محمد، 681 مليون دولار قبيل انتخابات 2013.

إعلام السيسي

وأشار التقرير إلى تهليل إعلام السيسي لعملية الترحيل، ووصف عمرو أديب في برنامج الحكاية على شبكة قنوات MBC في 10 مارس 2019، بألفاظ غير صحيحة بقوله: إن “الدول لا تأوي الإرهابيين بها، وأى دولة تحاول الآن التخلص منهم”.

كانت تركيا في 18 يناير 2019، قد رحّلت من مطار أتاتورك الدولي بمدينة إسطنبول الشاب المصري محمد عبد الحفيظ إلى القاهرة، المحكوم عليه بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام السابق هشام بركات.

عبد الحفيظ المهندس الزراعي، الذي تعيش عائلته في مدينة السادات بمحافظة المنوفية، هو أحد الشباب المعارضين الذين فروا من بطش الأجهزة الأمنية بعد الانقلاب العسكري في 2013، ليستقر في الصومال، قبل أن يتجه إلى إسطنبول في محاولة للبحث عن مكان أكثر أمانا.

لكن ما يؤكد أن واقعة ترحيل عبد الحفيظ جاءت دون تعمد أو تنسيق أمني واستخباراتي هو ما أكده ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي، في تصريحات لقناة مكملين الفضائية، أن “تركيا لا ترى قضاءً عادلاً في مصر، وأن بلاده لم ولن تسلم أي شخص يواجه الإعدام أو أي عقوبة أخرى إلى القاهرة”.

كما أصدرت أنقرة قرارها بإيقاف 8 من الشرطيين العاملين في مطار أتاتورك لحين التحقيق في ظروف وملابسات الترحيل.

وقالت زوجة الشاب محمد عبد الحفيظ، “ولاء غازي” في لقائها على قناة الجزيرة مباشر يوم 5 مارس 2019، “دخل إلى قاعة المحكمة، رفقة اثنين من ضباط الأمن، وهو في حالة إعياء شديدة، مع نقص واضح في وزنه، وهلع بالغ، واعترف مباشرة عن نفسه، دون الاستماع لأسئلة القاضي”، هكذا أبلغها محاميه مضيفا: “عبد الحفيظ لم يكن في حالة اتزان عقلي، وكان نظره ضعيفا للغاية، ويشير بيده بحركات غريبة، مع ابتسامات غير مفهومة”.

الداعية علاء سعيد

وفي 3 يونيو 2018، قامت السلطات الإسبانية بتسليم الداعية الإسلامي المصري علاء سعيد، وهو إمام أحد المساجد في مدريد، إلى مصر بعد احتجازه لمدة شهر ونصف داخل سجن الترحيلات الخاص بالمهاجرين غير الشرعيين، إثر صدور قرار بترحيله إلى بلده، بعد اتهامه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، حيث قامت السلطات الإسبانية باستدعائه للتحقيق وتوجيه عدد من الاتهامات له تتعلق بفكره، كإمام وواعظ ديني، ثم بدأت في إجراءات ترحيله إلى مصر، وقامت بمخاطبة السفارة المصرية في إسبانيا وإطلاعها على القضية، وهو ما زاد من الخطورة على حياته.

وكان ترحيل مسعد البربري، مدير قناة أحرار 25، ومختار العشري رئيس اللجنة القانونية لحزب الحرية والعدالة من لبنان في 3 أبريل 2014، من أوائل حوادث ترحيل المعارضين إلى مصر حيث قام الأمن العام اللبناني بتوقيفهم في مطار رفيق الحريري الدولي ببيروت، ثم قام بتسليمهم للسلطات المصرية.

وظل البربري في السجن حتى تمت تبرئته في قضية غرفة عمليات رابعة، وخرج في مايو 2017، بعدما تعرض لانتهاكات على يد الأجهزة الأمنية، كما خرج العشري أيضا بعد قضاء فترة بالسجن.

أحمد منصور

وفي 20 يونيو 2015، ألقي القبض على الصحفي أحمد منصور في مطار برلين بالعاصمة الألمانية، بناء على صدور مذكرة اعتقال دولية بحقه، مقدمة من مصر.

وفي مداخلته على قناة الجزيرة التي يعمل مذيعا بها، قال منصور متعجبا، إن السلطات الألمانية أوقفته بناء على مذكرة صادرة عن الإنتربول بتاريخ 2 أكتوبر 2014، في حين أنه حصل من الإنتربول ذاته على وثيقة بتاريخ 21 أكتوبر2014، تفيد بأنه ليس مطلوبا له على خلفية أية قضية.

وأعرب الإعلامي المصري عن أسفه لكون دولة مثل ألمانيا “تسمح بأن تكون عصا لنظام انقلابي (في إشارة منه لنظام السيسي) وتوقف الصحفيين والمهنيين الذي يخالفون هذا النظام”.

وأحدث إيقاف أحمد منصور ردود فعل دولية، وصلت إلى انتقاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للسلطات الألمانية متهما إياها بالإذعان لطلبات السلطات الانقلابية في مصر.

محمد محسوب

وفي أغسطس 2018، احتجزت السلطات الإيطالية الدكتور محمد محسوب، وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق في حكومة الدكتور هشام قنديل، إبان عهد الرئيس محمد مرسي.

وبعد احتجازه يوما كاملا قرب مدينة كاتانيا الإيطالية، أطلقت الحكومة الإيطالية سراحه، بعد مخاطبات واتصالات قامت بها جهات وشخصيات مصرية ودولية، مع السلطات الإيطالية المعنية، ومع منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، ناشدت إيطاليا عدم تسليم محسوب، للخطورة البالغة على حياته، وإمكانية تعرضه للتعذيب، خاصة وأن روما موقعة على جميع بروتوكولات اتفاقية مناهضة التعذيب ما يلزمها الالتزام بها.

وفي أبريل/2017، أقر البرلمان الألماني “بوندستاج” اتفاقية للتعاون الأمني مع النظام المصري، وذلك للتعاون في ملفات الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة وغيرها، وكان أحد أطرافها الفاعلين جهاز الأمن المصري “سيء السمعة” المعروف عنه التوسع في التعذيب والإخفاء القسري، وصدق السيسي على الاتفاقية في 7 أكتوبر عام 2017.

مشكلة العالقين

وشددت منظمات حقوقية وتقارير دولية، على ضرورة العمل سريعا لحل مشكلة العالقين المصريين في مطارات أوروبا، وأن يكون هناك تحرك قوي وفعال من المنظمات الحقوقية الدولية لتتولى ملف الهاربين من جحيم الاستبداد في بلادهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأعيدوا إلى أوطانهم قسرا، في ظل ظروف قاسية، ليسقطوا تحت مسالخ التعذيب والانتقام، ويواجهوا مصيرا مجهولا.

في الوقت الذي يواجه المعارضون المصريون قمعا مطلقا على جميع الأصعدة، ويعانون من بطش النظام الأمني، ويتعرضون للقتل خارج إطار القانون والاعتقال العشوائي وتوجيه اتهامات معدة سلفا، غير التعذيب الممنهج، بالإضافة إلى إصدار الأحكام المسيسة، بعد هيمنة السلطة على القضاء، وتهاوي منظومة العدالة.

رابط دائم