قصف العقول لا يقل ضراوة عن القصف الصاروخي لحاملة نفط تبحر في الخليج، ولطالما كانت المسلسلات التركية تحظى بشعبية ومكانة خاصة لدى الجمهور العربي، حيث قدم الأتراك خلال السنوات الـ10 الأخيرة مجموعة من الأعمال التي انتشرت حول العالم، وحاولت نقل حياتهم الاجتماعية وثقافاتهم إلى الآخرين، والأهم جهوزيتهم للرد على خصومهم في هذه الحرب.

“قيامة أرطغرل” كان أول عمل استطاع أن يجتاح الشاشات العربية بحُلة جديدة مختلفة عما كانت عليه المسلسلات، وتبع أرطغرل العديد من المسلسلات التركية التاريخية التي اتبعت النهج نفسه كـ”السلطان عبد الحميد” و”محمد الفاتح” و”معركة قوت العمارة” و”المجهولون”، جميع تلك الأعمال جاءت على عكس أفلام الدراما التركية خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات التي كانت تحاكي الجانب الغربي.

دراما العسكر

كانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية قد كشفت عن أن جنرال إسرائيل السفيه السيسي، يتحكم في المسلسلات الدرامية التي تعرض على جميع الفضائيات المصرية، بعد أن نجح في إحكام سيطرته على وسائل الإعلام وقمع المعارضة في البلاد.

وأضافت الصحيفة، أن عناصر أمنية أبلغت المخرجين والمنتجين في مصر بضرورة أن تتضمن مسلسلاتهم إشادة بالجيش والشرطة، وتشويهًا لسمعة جماعة الإخوان المسلمين وتشجيع القيم العائلية ودعوة الشباب للاستماع لتوجيهات الكبار، وهددت من يخالف تلك القواعد بعدم عرض مسلسله خلال رمضان المقبل.

ونقلت “نيويورك تايمز” عن الكاتب والدبلوماسي السابق عز الدين شكري فشير، أن الحملة الأخيرة للسيسي على الدراما المصرية، تعكس صورة أخرى من صور الديكتاتورية التي وصلت إليها مصر تحت حكم العسكر.

سلسلة HBO

وحظيت المسلسلات التركية التاريخية بالقبول لدى جماهير عربية كبيرة كانت تمتنع عن مشاهدة الأعمال التركية، وحققت مشاهدة عالية جاءت في المرتبة الثانية عالميًّا بعد الدراما الأمريكية، بينما يستعد التلفزيون الحكومي الروسي لبث دراما خاصة به عن كارثة تشيرنوبيل النووية القاتلة، التي وقعت عام 1986، ردا على سلسلة HBO التي أذهلت المشاهدين في جميع أنحاء العالم، وستدعي النسخة الروسية أن جاسوسًا تابعًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية كان متورطًا في الكارثة التي تعد أسوأ حادث نووي في التاريخ.

ويبدو أن دراما “تشيرنوبيل”، التي ستبث على قناة NTV الروسية، تلبي طلب كتاب صحف التابلويد وأخبار التلفزيون الحكومي للحصول على رواية وطنية للواقعة المأساوية، وقد اشتهر كاتب المسلسل الروسي “كريج مازن” باهتمامه بتفاصيل بسيطة مثل أربطة الأحذية والهواتف، وتبنى روايات الناجين لإعادة خلق الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات.

أما المسلسل نفسه فيقول إن القصة تدور حول عميل لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أرسل إلى “بريبيات” لجمع معلومات استخبارية عن محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية، وتم إرسال عميل مكافحة التجسس الروسي لتعقبه، إذا بدا لك الأمر وكأنه خيال، فهذا لأنه كذلك، إلا أن المخرج “أليكسي مرادوف” قال إن المسلسل “سيخبر المشاهدين بما حدث بالفعل في ذلك الوقت”.

وقال “مرادوف” لصحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الشعبية: “هناك نظرية مفادها أن الأمريكيين قد تسللوا إلى محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية، وأن العديد من المؤرخين لا ينكرون أنه في يوم الانفجار كان هناك عميل لأجهزة مخابرات معادية في المحطة”، مضيفا “يقترح المسلسل وجهة نظر بديلة عن المأساة في بريبيات”.

التحيز

واتهم التلفزيون الحكومي والصحف الروسية سلسلة HBO بـ”التحيز”، من خلال “إخفاء الأعمال البطولية لعمال الطوارئ السوفيت”، وكان أحد عناوين صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” اليومية الأكثر شعبية في البلاد: “تشيرنوبيل لم تظهر الجزء الأكثر أهمية: انتصارنا”، وزعم مقال آخر لمراسل الحرب البارز “ديمتري ستشين” في نفس الصحيفة أن المسلسل تم تصويره من أجل “تخريب” المبيعات الخارجية لتكنولوجيا الطاقة النووية من قبل شركة “روساتوم” الحكومية الروسية.

من جهته يقول الباحث والكاتب التركي فراس رضوان أوغلو: إن الدراما التاريخية تعد في الوقت الراهن سلاحًا سائدًا وأكثر قبولًا وانتشارًا ليس على المستوى التركي فحسب، بل أيضا على الساحة العالمية بشكل عام؛ ولهذا اختارت تركيا أن تدخل هذا السباق.

ولا يتردد الرئيس أردوغان في معظم خطاباته في الحديث عن ضرورة استلهام التجارب من الدولة العثمانية، حيث أكد في خطاب له في ديسمبر 2014، ضرورة استعادة تعلم اللغة العثمانية في المدارس التركية، وقال “آن الأوان للعودة إلى جذورنا، هناك من يشعر بالانزعاج من عودة اللغة العثمانية، وهي في الأصل تركيتنا القديمة، وليست لغة أجنبية، لكن شاءوا أم أبوا ستعود”.

Facebook Comments