إذا سألت مصريًا من المائة مليون مصري عن الحوكمة التي قام قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي بتعيين محمد عرفان مستشارا لها، فلن يعرف أغلب المصريين ما هي هذه الحوكمة، وسيحول حديثه إليك باتهامك بالسخرية.

يأتي ذلك في الوقت الذي يعيش فيه ملايين المصريين حياة صعبة من الفقر والبؤس، نتيجة قرارات السيسي، والتي من نتائجها أن أصبح المواطن الغلبان ضحية هذه الإصلاحات للحصول على حزمة قروض من صندوق النقد الدولي بلغت 12 مليار دولار، حتى أصبح ذوو الدخل المتوسط، وهم يمثلون نسبة لا تقل عن 60% من المجتمع المصري، عاجزين على الوفاء باحتياجاتهم اليومية من طعام وشراب وتعليم.

فضلا عن خفض قيمة الجنيه المصري في نوفمبر 2016، وخسارة العملة لأكثر من نصف قيمتها، ما دفع التضخم إلى تسجيل أعلى مستوياته فوق 30% في صيف العام الماضي 2017، وذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة، وفقًا لخطة رفع الدعم عن الطاقة وباقي السلع الاستراتيجية من غذاء ودواء.

إلا أن السيسي زاد الطين بلة، وتمخض الجبل فولد فأرا، وعين عبد الفتاح السيسي، الرئيس السابق لهيئة الرقابة الإدارية محمد عرفان مستشارا لرئيس الجمهورية للحوكمة والبنية المعلوماتية.

وعرفان، الضابط السابق بالقوات المسلحة، شغل العديد من المناصب في الرقابة الإدارية منذ التحاقه بها في 1986، قبل أن يترأس الهيئة في 2015، حتى وصل إلى رئيس هيئة الرقابة الإدارية التي تم عزله منها؛ من أجل عيون شريف سيف الدين ابن عم عبد الفتاح السيسي.

ما هي الحوكمة؟

والحوكمة هي مجموعة من القوانين والنظم والقرارات التى تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز فى الأداء، عن طريق اختيار الأساليب المناسبة والفعالة لتحقيق خطط وأهداف الشركة أو المؤسسة، وبذلك فإن الحوكمة تعنى تطبيق النظام، أي وجود نظام يعمل على التحكم فى العلاقات بين الأطراف الأساسية التي تؤثر فى الأداء، كما تشمل مقومات تقوية المؤسسة على المدى البعيد وتحديد المسئول والمسئوليات.

وتعمل الحوكمة على ضمان تنظيم العمل في منظمات القطاع الخاص والعام على كلّ من المستوى المحلي والإقليمي والعالمي؛ بغرض وضع قواعد ومبادئ لإدارة المؤسسات والرقابة عليها، وتطبيق أسلوب ممارسة الإدارة الرشيدة فيها لتشمل هذه القواعد المتينة ليس فقط منظمات القطاع الخاص فحسب، بل مؤسسات المجتمع المدني والقطاع العام.

وبالنظر لهذا التعريف، يثير قرار السيسي عدة تساؤلات، حول تعيين عرفان مستشارًا للحوكمة، أهمها: هل يريد السيسي أن يضع مؤسسات الدولة ومنظماتها وقطاعها الخاص والعام تحت تصرفه المباشر شخصيا، في الوقت الذي هيمن فيه نظام الانقلاب على كل مؤسسات الدولة؟

حوكمة السيسي والفساد

ومن مظاهر الفساد التي ترعرعت في نظام الانقلاب، والتي تأتي مضادة للحوكمة التي يزعم السيسي العمل بها من خلال تعيين مستشار لها:

الانحرافات المالية وعدم الالتزام بالقواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها، ومخالفة تعليمات أجهزة الرقابة المالية، وقد اتضح ذلك جليا في كافة مؤسسات السيسي التي تعتمد على الفساد برعاية السيسي نفسه، ويستغلها في تصفية خصومه وتعيين زبانيته.

الرشوة: والتي أسس لها السيسي نفسه، حينما تقاضى ملياري دولار مقابل التنازل عن تيران وصنافير، فضلا عن انتشار الرشوة في عهد السيسي بصورة غير مسبوقة.

المحسوبية: يعد السيسي أول رئيس يعين كل أفراد عائلته في وظائف حساسة بالدولة، حتى أمسكت عائلة السيسي بمقاليد الأمور كلها في البلاد.

المحاباة: أي تفضيل جهة على أخرى بغير وجه حق، كما في منح المقاولات والعطاءات أو عقود الاستئجار والاستثمار، وهو ما يحدث مع الجيش بسيطرته على كافة استثمارات الدولة.

الوساطة: أي تدخل شخص صاحب مركز (وظيفي أو تنظيم سياسي) لصالح من لا يستحق التعيين، أو إحالة العقد، أو إشغال المنصب.

الابتزاز والتزوير: لغرض الحصول على المال من الأشخاص، مستغلاً موقعه الوظيفي بتبريرات قانونية أو إدارية أو إخفاء التعليمات النافذة على الأشخاص المعنيين، كما يحدث في دوائر الضريبة أو تزوير الشهادة الدراسية أو تزوير النقود.

نهب المال العام: باستخدام الصلاحيات الممنوحة للشخص، أو الاحتيال، أو استغلال الموقع الوظيفي للتصرف بأموال الدولة بشكل سري من غير وجه حق، أو تمرير السلع عبر منافذ السوق السوداء، أو تهريب ثروات الدولة.

رابط دائم