على الطريقة الناصرية، يعيد السيسي وانقلابه العسكري إعادة إنتاج المعارضة السياسية وفق ديكور المعارضة من داخل النظام، وهو نهج لم يصبر عليه في المجال الإعلامي؛ بدليل كثرة الإقالات وإغلاق القنوات ووقف البرامج السياسية في وسائل الإعلام التي أنتجتها أجهزته المخابراتية نفسها.

حيث تنطلق ”تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” بقوافل سياسية في محافظات مصر خلال الأيام القليلة المقبلة، لتقديم نفسها كبديل لأحزاب المعارضة في مصر، بعد تضييق الخناق عليها وتقليص تواصلها مع الجمهور؛ وذلك لإعادة تقديم الأحزاب للشارع والتسويق لأدوارها المجتمعية والسياسية دون معارضة حقيقية للسلطة، وبموافقة الأجهزة الأمنية التي أشرفت على تأسيسها وتوجُّه تحركاتها.

وتسعى الهيئة الجديدة، التي تتكون من شباب ينتمون إلى نحو 19 حزبا، لتكثيف حضورها في الشارع، ويطغى على غالبية أعضائها التأييد للحكومة.

وتريد أن تصبح بديلا شرعيا عن قوى المعارضة التقليدية، ضمن إطار محاولات الحكومة لرسم خارطة المعارضة وفقًا لرؤيتها، من خلال مجموعة من شباب الأحزاب الذين استقطبتهم للمشاركة في مؤتمرات ولقاءات جماعية حضرها عبد الفتاح السيسي، وترمي إلى تكوين نخب سياسية لا تتعامل مع السلطة الحاكمة باعتبارها منافسا لها، وركزت على كيفية مساندتها في إدارة الأزمات التي تواجهها.

وتهدف الحكومة من خلال دعمها لمجموعة من الشباب المنتمين إلى الأحزاب المختلفة، إلى الانقضاض على ما تبقى من أحزاب المعارضة الضعيفة أصلا لإنهاء تواجدها ورسم صورة ذهنية للمجتمع تشي بقدرة العناصر الحزبية التي تشكل نواة التنسيقية على التواجد وتحريك الجمود الحالي، كمقدمة لممارستها العمل العام من خلال انتخابات المحليات أو الانتخابات البرلمانية المقبلة.

تحركات مماثلة

التحركات الميدانية توازيها على الجانب الآخر تحركات مماثلة لتدشين المجلس الوطني للشباب، والذي ستكون مهمته تخريج كوادر سياسية شبابية، بزعم تحقيق الربط المفقود ما بين الأحزاب والشباب والمجتمع.

فيما يرى سياسيون أن تواجد شباب التنسيقية في الشارع يغلب عليه طابع المشاركة المجتمعية وليس التحفيز على المشاركة السياسية، وأن الاجتماعات التي نظمتها وكان آخرها مؤتمر شباب الأحزاب بشرم الشيخ، منتصف الشهر الماضي، هدفت بالأساس إلى تغليب الطابع المجتمعي ودعم الدولة على مشكلات غلق المجال العام أمامها.

وفي ظل الأوضاع الحالية التي تقصي فيها الحكومة معارضيها تماما، تصبح مهمة جذب المواطنين إلى الأحزاب ضربًا من الخيال، بل إن العائق يتمثل في أن الأجهزة الأمنية التي أضحت مسيطرة على العمل السياسي أفسحت المجال أمام شباب الأحزاب للتواجد في الشارع، في حين أن قياداتها لا تستطيع التحرك من مقراتها، وهو ما يرمي في النهاية إلى جعل هذه التحركات شكلية في مواجهة الانتقادات الموجهة للحكومة المصرية.

عودة للخلف

وأكد محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية (مشارك في تنسيقية الأحزاب)، خلال تصريحات صحفية، أن غياب الخطاب السياسي المتفق عليه بين جميع الأحزاب المشاركة يبدد الهدف من تأسيسها، المتمثل في إعادة الثقة بين الشباب والأحزاب السياسية.

ويذهب بعض السياسيين إلى تأكيد أن البيئة الحالية التي يغلب عليها التخوين واتهامات العمالة والإقصاء غير مواتية لإعداد كوادر جديدة تمارس العمل السياسي بمفهومه العام، وستفشل في جذب المجتمع إليها في ظل قناعة الكثيرين بأن هذه الأحزاب تنفذ أجندة حكومية ولا تمتلك قرارها المستقل بشأن موقفها من الأوضاع الراهنة.

قدرات وإمكانيات

وقال أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي: إن حل أزمة الأحزاب السياسية أعمق كثيرا من مجرد السماح لبعضها بالتواجد في الشارع، مع عدم امتلاكها قدرات أو إمكانيات كبيرة وصلاحيات واسعة تساعدها على إعادة الترويج لنفسها.

وأشار، في تصريحات صحفية، إلى أن اقتصار تعامل الحكومة على الأشخاص المؤيدين لها سيكون له أضرار كبيرة على المستوى السياسي المصري في المستقبل القريب؛ لأن ذلك يعمل على تشويه صورة جميع الأحزاب التي شاركت السلطة الحالية من قبل، ما يعطي مساحات واسعة للتنظيمات الإسلامية المتطرفة بالتواجد بين المواطنين.

وأوضح أن المجموعات الشبابية التي يجري تشكيلها تحت أعين الأجهزة الأمنية لن تخلق معارضة حقيقية، وأن جميع التجارب التي أشرفت عليها الأنظمة السياسية في السابق فشلت في تحقيق المرجو منها.

خيار السيسي

ولعل تلك الخطط والاستراتيجيات تعيد مصر للحقبة الناصرية، والتي لا تقترب من أصل الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وهو أن انقلابًا حدث في البلاد أهدر أصوات وآراء الشعب، واستشاط انتقامًا من الشعب الذي لم يعش الحرية سوى عام واحد فقط، بالقتل والحبس والجوع والجباية منه، وتحميل السلطة له لكل أزماتها الناجمة عن فشلها السياسي والاقتصادي.

وهو ما سيصيب كافة المنظومة الحياتية في مصر بالفشل والانهيار؛ تصديقًا لمقولة السيسي في عام 2013: “لو تدخل الجيش في السياسة ستعود مصر للوراء 40 عاما”، وهو ما يتحقق وأكثر منه في كافة مناحي الحياة.

رابط دائم