كتب يونس حمزاوي:

3 أسباب أسهمت في إجهاص المسار الديمقراطي بعد ثورة 25 يناير 2011، أهمها على الإطلاق تربص العسكر بالثورة والتجربة الديمقراطية وبث الفتن وإثارة الفوضى والتآمر على الرئيس المنتخب، والثاني هو عدم إيمان معظم التيار العلماني سواء كانوا يساريين أو ليبراليين أو قومجية بالديمقراطية، لا سيما بعد التأكد من عدم قدرتهم على منافسة الإسلاميين بصورة جدية حقيقية، لذلك فضلوا دعم انقلاب العسكر على حماية التجربة الديمقراطية في البلاد، التي جاءت بخصومهم من الإسلاميين.

وثالث الأسباب هو ضعف خبرات التيار الإسلامي وعدم قدرته على قراءة المشهد المحلي والإقليمي والدولي، لا سيما أن مصر دولة محورية على الحدود مع الكيان الصهيوني المدعوم من الأمريكان والغرب، والذي يرفض صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في بلاد الطوق التي تحيط بالصهاينة حماية للمشروع الصهيوني.

ولا نزال نذكر مطالب الأحزاب العلمانية في مصر بعد الثورة بتأجيل الانتخابات لعدم جاهزيتها، مع أن ذلك كان يعني شيئا واحدا هو بقاء المجلس العسكري لأجل مسمى ممسكا بمفاصل السلطة كلها، دون أي خطة للتحول الديمقراطي أو تسليم السلطة لحزب مدني منتخب من الشعب.

والواقع يؤكد أن ضعف العلمانيين، وعدم قدرتهم على منافسة الإسلاميين في أي استحقاق ديمقراطي نزيه، أو عدم قبولهم بالعملية الديمقراطية إن أتت بهم وصعدوا لقمة السلطة، هو أحد أهم التهديدات التي تعطل أي تحول ديمقراطي في المنطقة العربية.

تونس تكشف هشاشة العلمانيين
وعروجا على التجربة التونسية، فإن أحد أهم التهديدات الكبيرة للمسار الديمقراطي هناك هو يقين العلمانيين بعدم قدرتهم على منافسة الإسلاميين في انتخابات ديمقراطية نزيهة، رغم مرور 7 سنوات على الثورة والإطاحة بنظام زين العابدين بن علي الديكتاتوري الإقصائي.

ويطالب عدد من الأحزاب العلمانية بتأجيل انتخابات المحليات المرتقب إجراؤها في 17 ديسمبر المقبل.

يقول المحلل السياسي والكاتب الصحفي صلاح الدين الجورشي، في مقال له بعنوان "ليس حلا للهروب من النهضة" على صحيفة "العربي الجديد": «قدّمت الأحزاب المطالبة بالتأجيل عدة مبرّرات جدّية، بعضها قانوني وأخرى إدارية وسياسية. لكن ما لم تذكره هذه الأطراف أنها تجد نفسها، بعد سبع سنوات من الثورة، غير مهيأة لخوض الانتخابات البلدية والجهوية، نظراً لما تفرضه المشاركة من شروط تتجاوز كثيراً قدراتها التنظيمية والتعبوية والمالية. إذ يلاحظ أن معظم هذه الأحزاب لم تتمكّن، حتى الآن، من أن تصبح قادرةً على منافسة الإسلاميين في أي انتخابات ديمقراطية، على الرغم مما يتمتع به الجميع من سقفٍ عال من الحرية».

ويضيف الجورشي: «إذا كانت القاعدة الانتخابية لحركة النهضة قد تقلصت بوضوح، نتيجة أخطاء جسيمة ارتكبتها خلال ممارستها الحكم، إلا أنها حافظت، على الرغم من ذلك، على تماسكها الداخلي، وقدرتها على الحضور الميداني، واستقطاب شرائح مهمة من المواطنين، في حين فشل منافسوها في تحقيق التوسع الجماهيري، كما فشلوا في حماية أحزابهم من الانقسام والتفكّك».

انشقاقات "نداء تونس"
وتعتبر تجربة حزب نداء تونس المثال الأبرز في هذا السياق، الحزب الذي تمكّن، في بداية تأسيسه، من تغيير المعادلة لصالح العلمانيين، عندما فاز بالمرتبة الأولى في أول انتخابات برلمانية ديمقراطية، لكنه سرعان ما وقع فريسة الصراع بين الكتل ومجموعات الضغط، متّخذاً من مسألة التحالف مع "النهضة" مبرّراً للتنازع والانقسام.

وهكذا، فقد هذا الحزب بسرعة انتصاره التاريخي على الإسلاميين، ليجد نفسه في المرتبة الثانية برلمانياً. ومع كل صراع جديد، يتقلص حجمه، ويُصاب بمزيد من التشرذم. ولا يوجد الآن محلل سياسي موثوق في موضوعيته يستطيع أن يتنبأ بإمكانية أن يستعيد هذا الحزب عافيته، وأن يتحول من جديد الى مظلةٍ حزبيةٍ، تضم أبرز القوى العلمانية».

وفقد نداء تونس 24 من نوابه بالبرلمان ليصل إلى 62 فقط من أصل 86 عضوا بينما يمصل النهضة 69 عضوا. ويشار إلى أن عدد نواب البرلمان 217 نائبا.

تماسك النهضة
المؤكد إذا، أن حجم حركة النهضة لا يزال هاجساً مزعجاً لدى جميع الأطراف، داخلياً وخارجياً. لقد انتظرت هذه الأطراف حصول انقسامٍ عميقٍ من شأنه أن يُضعف هذا الجسم الكبير، لكن هذه التوقعات لم تتحقق، على الرغم من تعدّد الخلافات بين مكونات حركة النهضة.

وما تخشاه حالياً هذه الأطراف العلمانية أن تتمكّن الحركة من تثبيت أقدامها على الصعيد المحلي، وهو ما من شأنه أن يجعل منها منافسًا صعبًا خلال المحطتين المقبلتين، الانتخابات البرلمانية والرئاسية. عندها، ستقطع الطريق أمام طامحين كثيرين، وتصبح بفضل ذلك اللاعب الرئيسي والماسك القوي بأجهزة الدولة.

وترى القوى العلمانية في ذلك سيناريو كارثيا، لأنها تؤمن بالديمقراطية إذا جاءت بهم فقط، أما إذا جاءت بخصومهم من الإسلاميين فسرعان من ينقلبون على نتائجها مفضلين الانقلابات العسكرية على حماية المسار الديمقراطي والتسليم بنتائجه أيا كانت.

حسابات النهضة ومخاوف الفوز
التجارب الإقليمية ولا سيما في مصر تجعل حركة النهضة تفكر كثيرا في مآلات هذا السيناريو الذي ربما تخشاه الحركة أيضا.

فيرى الجورشي أنه ليس من مصلحة حركة النهضة حاليًا أن تتحمّل مسئولية الحكم بمفردها، كما يسكن كثيرون من قادتها هاجسُ الظهور في حجم أكبر بكثير من حجم بقية الأحزاب.

فهؤلاء -وفي مقدمتهم رئيس الحركة- يفترضون أنه لو حصل ذلك سيؤدي، بالضرورة، إلى تحرك قوى إقليمية ودولية، بالتعاون مع أطراف محلية، من أجل إطاحتهم وإعادتهم إلى مربع الحصار والملاحقة والإقصاء، فالوضع الدولي والإقليمي لا يسمح بأن يحكم الإسلاميون وحدهم بلدًا، مثل تونس، ذا أهمية استراتيجية ورمزية. فما الحل؟

يجيب الجورشي: « دبلوماسيون ومختصون في شئون المنطقة غربيون حاورتهم أخيرا يرون أن المشكل الرئيسي في تونس ليس الإسلاميين.. وإنما في عجز خصومهم على بناء قطب سياسي واجتماعي قادر على قيادة الدولة بشكل ديمقراطي، ودون إقصاء حركة النهضة». 

رابط دائم