بين السبسي والسيسي إبدال حرف الباء بالياء فقط، وبين العرب وفن إدارة الخلافات سلميا ذات المسافة بين الثورة والانقلاب، فالعسكر أعداء الديمقراطية، وإدارة الخلافات مقياس أساسي للتحضر بطريقة سلمية، حتى تنتقل السلطة من شخص إلى شخص، ومن حزب إلى آخر دون أن تراق قطرة دم، فهل ما يجري في تونس الآن يطابق هذا الوصف أم يخالفه؟ وهل العسكر وراء ستار استدعاء الفوضى في أول دولة انطلقت منها شرارة الربيع العربي؟.

فقد دعت حركة النهضة التونسية، الشعب إلى التهدئة والتعقل وتغليب المصلحة الوطنية، وعدم الانجرار إلى أجندة الفوضى وتهديد الاستقرار، متهمة أطرافا سياسية بالتحريض على العنف في خطابها السياسي، وربما لاحق التلميح الحزب الفائز في انتخابات أكتوبر 2014 الذي شكله جنرالات العسكر لتحقيق التوازن مع حركة النهضة المتغولة في المشهد السياسي، كما زعم مؤسسوه، هذا الحزب لم ينتظر كثيرًا بعد الفوز لتصيبه انشقاقات أخرجت منه حزبًا آخر “حركة مشروع تونس”.

وهو وضْع تسبب في خسارة شكلية لموقعه الأول في البرلمان، حيث أصبحت كتلة النهضة هي الأولى في البرلمان، واختارت المحافظة على امتيازات وصلاحيات الكتلة الثانية، ولم يجد الحزب من حلول لها غير ضرب التوازن السياسي في البلاد والتنكر لمقولة التوافق، متبعًا سياسة التغول والتحكم في مفاصل الدولة.

سياسة ألقت بظلالها على شركائه، خاصة حركة النهضة التي تشهد تحركات داخلية؛ بسبب هذه السياسة وبعض الاختلافات الداخلية في الحزب، أما المعارضة فوضعها ليس بأحسن من وضع أحزاب الحكم، وموجة الخلافات ضربت الجبهة الشعبية بعدما أصابت حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، حيث برز في الآونة الأخيرة خلاف بين حزب الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمال.

تخريب ونهب واعتداء

وقالت حركة النهضة التونسية- في بيان لها نشرته على موقعها الإلكتروني- إن “المكتب التنفيذي لحركة النهضة تابع في اجتماعه، الثلاثاء، باهتمام شديد تواصل بعض أعمال الفوضى والتخريب والنهب والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة ومقرات السيادة في عدد من أحياء بعض المدن”.

وشدد البيان على ضرورة التمييز بين شرعية التحرك الاجتماعي الذي كفله دستور الثورة وتنظمه القوانين، وحق المواطنين في التعبير عن عدم رضاهم على بعض سياسات أو قرارات الحكومة، وبين أعمال الفوضى والتخريب والاعتداء على أملاك التونسيين ونهبها، وتهديد أرواحهم وإرباك حياتهم العادية، وكلها أعمال اختلطت فيها السياسة بالعنف والإجرام، تستدعي تطبيق القانون على مرتكبيها.

ونددت الحركة بخطاب بعض الأطراف السياسية، الذي وصفته بـ”التحريضي والعنيف والدموي”، وأنه “ينمّ عن أصل بنيتها الفكرية الفوضوية وما تختزنه من أفكار تدعو إلى تقسيم التونسيين بين حداثي ومعاد للحداثة، بدل وحدتهم، وإلى العنف بدل الحوار، وإلى الاحتراب والاستقطاب بدل التوافق”.

أجواء انقلاب

وحذرت حركة النهضة التونسية من “خطورة ما تقوم به هذه الأطراف السياسية من توفير الغطاء السياسي الذي يبرّر أعمال العنف والتخريب، بل ويشجع على القيام بها وتوسيعها وتواصلها لحسابات انتخابية مبكرة، وأغراض لا علاقة لها بالاحتجاج الاجتماعي المدني والسلمي، وهو ما يجعل هذه الأطراف أمام مسئوليتها في ما يمكن أن يحدث من تجاوزات واعتداءات على الأملاك والأرواح”.

ودعت “النهضة” الحكومة إلى إطلاق “حوار وطني اقتصادي واجتماعي، على غرار الحوار الوطني السياسي الذي أنقذ بلادنا وأحلّ سياسة التوافق بدل الإقصاء، تشارك فيه الأحزاب والمنظمات والخبراء، ويتم فيه الاستماع لمشاغل المواطنين وتعالج فيه كل القضايا والملفات، ينتهي إلى ضبط وتدقيق الرؤية الاقتصادية والاجتماعية للحكومة لتسريع الانتقال الاقتصادي وتحقيق التنمية الشاملة والعادلة على قاعدة الحق الدستوري في التمييز الإيجابي للجهات الداخلية”.

ودعت الحركة، الحكومة إلى “المبادرة بالاجتماع بالأحزاب والمنظمات الموقعة على وثيقة قرطاج؛ لدراسة الوضع وإيجاد الحلول والإجراءات الضرورية للتفاعل مع المطالب الاجتماعية الملحة للتونسيين، وخاصة الفئات الهشة والضعيفة وعديمي الدخل والعائلات المعوزة لحماية قدرتهم الشرائية وحفظ كرامتهم وتقديم الدعم والمساعدة لمستحقيهما”.

وأكدت “النهضة” التزامها بالعمل من أجل تعزيز الوحدة الوطنية الجامعة لكل التونسيين، وحفظ أمن تونس واستقرارها، وحماية سلامة التونسيين وممتلكاتهم ونمط عيشهم، وانحيازها التام لتأمين حقهم في العيش الكريم والدفاع عن ثورتهم ومكاسبها وعن مستقبل الأجيال القادمة.

عودة النظام القديم

في هذا السياق، يعتبر المحلل السياسي، منذر ثابت، أن التونسي لم يشعر بعد 6 سنوات بأن أوضاعه المعيشية تتحسن، بل على خلاف ذلك فإنها ازدادت سوءا، ويؤكد ثابت في تصريح صحفي، على أن “النخبة السياسية” التي جاءت بعد 14 يناير 2011 فشلت في إدارة البلاد وفي تقديم الحلول.

ويشير ثابت إلى أن هذا ما يفسر عودة رموز النظام القديم الذي قامت عليه الثورة إلى الواجهة، ويتابع قائلاً: إن من يحكم تونس اليوم هم رجال بورقيبة وزين العابدين بن علي.

كما شدد “ثابت” على أن الذكرى الـ6 لانطلاقة الثورة، لم تعرف مظاهر احتفالية تذكر، باستثناء تظاهرة يتيمة في سيدي بوزيد، مهد الثورة، المدينة التي أقدم فيها محمد بوعزيزي، على حرق نفسه في 17 ديسمبر 2010، لتنطلق بعدها اضطرابات واسعة، شملت جل المدن والمحافظات التونسية، انتهت بهروب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011.

رابط دائم