كان 25 يناير 2011 يومًا غير عادي، فبينما تحتفل الشرطة الفاسدة الغارقة في دماء القتل والتعذيب وتفجير الكنائس، أعلنه المصريون يوم غضب، وخرجوا في مظاهرات في القاهرة ومدن أخرى ضد الفساد والفقر والبطالة، وطالبوا برحيل الحكومة، وفرقتهم الشرطة بالقوة، وقتل عدد من المتظاهرين في ميدان التحرير، ولم تتوقف التحركات الاحتجاجية، بل تصاعدت.

في 28 يناير انطلقت مظاهرات حاشدة في عرف “بجمعة الغضب”، واستخدمت قوات الأمن القوة لفض تحركات عجّت بها القاهرة ومناطق أخرى، ورُصدت آليات الأمن المركزي تدهس متظاهرين على كوبري قصر النيل، وتصاعد غضب المحتجين وأحرقوا المقر الرئيسي للحزب الحاكم في العاصمة، وتطور الأمر سريعا، وهو ما تبعه إعلان حظر التجول في القاهرة والإسكندرية والسويس، وانتشرت مدرعات الجيش لمساندة عناصر الأمن.

في 29 يناير 2011 خرج المخلوع حسني مبارك محاولا تهدئة الشارع، حيث حل حكومة أحمد نظيف وكلف أحمد شفيق بتشكيل حكومة جديدة، وعيّن عمر سليمان نائبا له، كما وعد بحل المشكلات الاقتصادية وتوفير فرص أفضل للشعب.، وفي 30 يناير 2011 لم تنجح خطوة مبارك في وقف الغضب المتنامي، واستمرت المظاهرات المطالبة برحيله، في وقت دفع الجيش بتعزيزات إلى القاهرة ومدن أخرى تحسبا لمظاهرات مليونية دعت لها المعارضة في الأول من فبراير.

مظاهرة مليونية

في أول يوم من شهر فبراير 2011 غصّ ميدان التحرير بالمحتجين الذين لبوا الدعوة إلى مظاهرات اعتبرت الأضخم منذ بداية الحراك الشعبي، في ذلك اليوم أعلن مبارك عدم نيته الترشح لولاية جديدة، وقوبل خطابه بمزيد من غضب المعارضين، وسجل أيضا خروج مظاهرات مؤيدة لمبارك في عدد من المناطق.

وفي اليوم التالي من فبراير 2011 اندلعت مظاهرات معارضة وأخرى مؤيدة تحولت إلى اشتباكات دامية صباح الثاني من فبراير، عرفت تلك الأحداث “بموقعة الجمل”، حين حاول مؤيدو مبارك ومن يوصفون بالبلطجية اقتحام ميدان التحرير بالقوة على ظهور الخيل والجمال.

وفي 4 فبراير 2011 حمل المتظاهرون شعاران: “جمعة الرحيل”، وهو الاسم الذي اختاره معارضو نظام مبارك والمطالبون بإسقاطه، في حين رفع مؤيدوه شعار “جمعة الوفاء”، وفي 10 فبراير 2011 استمر غليان الشارع المصري، وفي العاشر من فبراير أصدر الجيش بيانه الأول، أعلن فيه استمرار اجتماعات المجلس الأعلى للقوات المسلحة لحماية البلاد، وخرج بعدها مبارك فأكد أنه مستمر في السلطة، بينما طلب نائبه عمر سليمان من المتظاهرين العودة إلى منازلهم، وثار المتظاهرون على الخطاب وتوعدوا بتصعيد تحركاتهم.

انتخابات ديمقراطية

وقس 11 فبراير 2011، ألقى الجيش بيانا ثانيا تعهد فيه بإنهاء حالة الطوارئ، وضمان إجراء انتخابات ديمقراطية، ودعا إلى عودة الحياة الطبيعية في البلاد، لكن سرعان ما تغيّر وجه مصر مساء اليوم ذاته، في 11 فبراير ؛ حيث كانت لحظة انتظرها ملايين المصريين، إذ أعلن اللواء عمر سليمان نائب الرئيس في ذلك الوقت تنحي مبارك وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد.

وفي نفس اليوم من فبراير 2011 سلم مبارك مفاتيح القصر في صفقة سرية عقدها مع المجلس العسكري، وأعلن الأخير نفسه مسئولاً عن إدارة شؤون البلاد بشكل مباشر بعد تنحي مبارك، وفي 24 يونيو 2012 جرى إقبال غير مسبوق على التصويت في أول انتخابات تشريعية ورئاسية حرة في مصر، وأتت نتائج الصناديق ببرلمان تعددي، وبمحمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، بعد تقدمه على منافسه أحمد شفيق بـ51.73% من الأصوات. وبتسلم مرسي سلطاته انتهى حكم المجلس العسكري الذي استمر 17 شهرا.

الثورة والانقلاب

في 22 نوفمبر 2012 أصدر الرئيس المنتخب محمد مرسي إعلانا دستوريا يتضمن تحصين قراراته وقرارات الهيئة التحضيرية المكلفة بإعداد دستور جديد، وإقالة النائب العام عبد المجيد محمود، ومنذ ذلك اليوم بدأ الجيش في التأليب ضد الرئيس، كما بدأ حملة تحريض ممنهجة ضد الإخوان.

في 30 يونيو 2013 أطلقت المخابرات الحربية التي كان يديرها عبد الفتاح السيسي حملة حركة “تمرد” التي تأسست في أبريل 2013، وموّلها رجال أعمال بهدف المطالبة بإجرا انتخابات رئاسية، مما فتح الباب لمظاهرات احتجاجا على أزمات أشعلها الجيش والشرطة والمخابرات والإعلام.

انتهز وزير الدفاع – آنذاك – السفيه عبد الفتاح السيسي الموقف، وصب الزيت على النار مصدراً بياناً مرّ أولا على واشنطن وتل أبيب، يقول فيه إن الجيش سيتدخل لمنع مؤيدي الرئيس من “مهاجمة” الحشود و”يمنح الطرفين أسبوعا ليحلوا خلافاتهم”.

وفي 3 يوليو 2013 سقطت مصر مرة أخرى في حجر العسكر، وتم إعلان انقلاب عسكري بقيادة وزير الدفاع السفيه عبد الفتاح السيسي الذي علّق العمل بالدستور وحل البرلمان، وأعلن بحضور ممثلين عن ضباط وهيئات سياسية ودينية خطة خارطة المستقبل، وتضمنت الترتيبات الجديدة الانقلاب على الرئيس المنتخب مرسي، وتفويض سلطاته مؤقتا إلى رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور، إلى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وفي 26 مارس 2014 بعد تمهيد من المجلس العسكري، أعلن السفيه السيسي ترشحه لمسرحية الرئاسة الأولى دون منافس حقيقي سوى كومبارس واحد هو حمدين صباحي، ثم استكمل العملية بحفل تنصيب استعراضي في الثامن من يونيو من العام ذاته، حضره وكلاء الانقلاب الخليجيين، وغاب عنه التمثيل الغربي.

في 29 نوفمبر أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكما نهائيا يقضي بتبرئة الرئيس المخلوع حسني مبارك من التهم الموجهة إليه ونجليه في قضيتي قتل المتظاهرين أثناء ثورة يناير وبيع الغاز لـ”إسرائيل”، توالت بعدها أحكام الإعدام بحق الثوار في هزليات لفقها لهم الجيش بمعونة القضاء، وتم تنفيذ عدد من أحكام الإعدام بينما تتوالى سياط القضاء على ظهور الأحرار داخل سجون ومعتقلات الانقلاب..فهل يتحرر الغضب؟

 

رابط دائم