لم تعد السعودية كما كانت قبل جريمة قتل خاشقجي، وقبل ضلوعها في قتل الربيع العربي، وقبل ظهور أنها الداعم الأساسي للاحتلال الصهيوني في المنطقة، لم يعد لها نفس التقديس والتبجيل والاحترام، بل أصبح المسلمون في حيرة من أمرهم وهم يرون العلم الأخضر وقد لطخه آل سعود بالدم.

وانطفأت زهوة الفعاليات الثقافية والعلمية التي كانت تنطلق من الرياض، ورغم ذلك وفي محاولة مستميتة للردم على جرائم الأمير المنشار، أعلنت جائزة الملك فيصل العالمية في المملكة العربية السعودية عن أسماء الفائزين في دورتها الحادية والأربعين، والتي ذهبت إلى سبعة فائزين، بينهم أكاديميان عربيان من المغرب ومصر.

وأطلقت مؤسسة الملك فيصل الخيرية الجائزة التي مُنحت للمرة الأولى عام 1979 لمكافأة الأفراد والمؤسسات على إنجازاتهم الفردية في خمسة فروع، هي اللغة العربية والأدب وخدمة الإسلام والدراسات الإسلامية والطب والعلوم، وتبلغ قيمة الجائزة في كل فرع 200 ألف دولار، فهل تكفي تلك الدولارات في غسل أيديهم من الدم؟.

شبح خاشقجي

وبعد نحو شهر من إصدار محكمة جنايات إسطنبول قرارا بإلقاء القبض على المتهمين باغتيال الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي، أكد مصدر بمكتب الادعاء التركي أن أنقرة تعمل حاليًا على إعداد لائحة اتهام ضد المتهمين للبدء في محاكمة الجناة غيابيًّا.

وقال المصدر التركي، إن المتهمين سيحاكمون في إسطنبول، سواء سلموا لتركيا أم لا، مؤكدا أنه من الضروري أن تكون المحاكمة بتركيا، “وهو أفضل للسعودية وللعدالة الدولية”، وكانت النيابة السعودية قد أعلنت عن أنها وجّهت اتهامات رسمية بالتورّط في قتل خاشقجي لـ11 شخصا، وتطالب بإعدام 5 منهم، لكن تركيا، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، تقول إن الرياض تسعى للتستّر على من يقف حقًّا وراء هذه الجريمة، فيما يتهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنه من أمر بالعملية، وفق ما أكدته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

والمتهمون السعوديين هم: “مشعل البستاني، وصلاح الطبيقي، ونايف العريفي، ومحمد الزهراني، ومنصور عثمان أبا حسين، وخالد الطيبي، وعبد العزيز الحساوي، ووليد عبد الشهري، وتركي الشهري، وثائر الحربي، وماهر مطرب، وفهد شبيب البلوي، وبدر العتيبي، ومصطفى المداني، وسيف القحطاني”.

يشار إلى أنه بعد مرور مئة يوم على الجريمة، تواصل أنقرة عبر كل السبل المتاحة الضغط على الصعيد الدولي، لكشف كل الضالعين في مقتل خاشقجي الذي لم تكشف الرياض حتى الآن عن مكان جثته، وكان في إمكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يستمر في توطيد مشروعه السياسي، بعد أن تمكن من إقصاء أبرز منافسيه من الأمراء داخل العائلة المالكة، في ظل توليه مقاليد الحكم فعليا، واعتماد العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز عليه في تسيير دفة الحكم في البلاد، إلا أن الرغبة الجامحة في الاستحواذ على السلطة بشكل كامل أعمته عن فهم وتقدير السياقات السياسية الدولية المرتبطة بعلاقات بلاده بدول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

مصالح دولية

رغم حرص الدول الغربية على تحقيق مصالحها في بلدان العالم الثالث ومتاجرتها بمعاناة شعوبها، ورغم تفريطها في المبادئ والقيم الكونية في كل مرة التى تتصادم مع مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، إلا أنها تحتفظ بالحد الأدنى من الخطاب الإنساني والأخلاقي الأممي القائم على احترام حقوق الإنسان والحريات الشخصية، لأجل إضفاء نوع من الشرعية الأخلاقية على وجودها وعلى هيمنته وتصدرها للعالم.

سوء فهم محمد بن سلمان للسياقات الدولية المرتبطة بعلاقات بلاده بدول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، يضاف إلى عجزه عن التعامل مع السياق الزمني المتعلق بفترات الانتخابات التي تجري فيها، باعتبار العلاقات والشراكات الاستراتيجية تجمعها بالمملكة السعودية، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تعيش في الفترة الحالية على وقع الحملة الخاصة بالانتخابات النصفية لاختيار أعضاء الكونغرس الأمريكي، حيث يستحضر السياسيون كل ما من شأنه أن يورط خصومهم السياسيين الذين ليس الرئيس دونالد ترامب سوى أحدهم.

لكن حلفاء “بن سلمان” و”بن زايد” في واشنطن وقفوا عاجزين عن الدفاع عنه، في ظل تبني مختلف وسائل الإعلام الأمريكية لقضية خاشقجي، بما فيها تلك المحسوبة على اليمين، والمقربة من ترامب، بالإضافة إلى توالي التصريحات المُدِينة للنظام السعودي والمُطَالِبَة بوقف التعامل معه وحظر تصدير السلاح إليه، فضلا عن الاتهامات المعبر عنها لابن سلمان بعدم إبداء التعاون اللازم بخصوص الكشف عن التفاصيل المتعلقة بجريمة إخفاء وقتل خاشقجي.

ضغوط دفعت بمحمد بن سلمان إلى محاولة التملص من الجريمة النكراء المتمثلة في تصفية الناشط جمال خاشقجي، ما اضطره إلى التبرؤ من العناصر المحسوبة عليه من المسئولين والأمنيين المقربين منه، وتقديمهم كأكباش فداء لتبرئة ساحته، لكنها إجراءات لن تنجح في تبرئة ذمة المسئولين الكبار الذين يفترض أنهم أعطوا التعليمات بتنفيذ جريمة تصفية خاشقجي، وعلى رأسهم محمد بن سلمان، حيث توالت التصريحات الصادرة عن المسئولين الغربيين والأتراك، والتي تشكك في الرواية السعودية الرسمية، وتطالب بالكشف عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بالموضوع، لا سيما مصير جثة خاشقجي.

رابط دائم