حالة من الغضب والسخط تعم الساحة السياسية المصرية، بعد اعتقال سلطات الانقلاب للمستشار هشام جنينة، صباح اليوم، بعد حديثه عن فساد نظام السيسي، وتشكيكه في القيادات العسكرية الحاكمة وصمتها بأنها السبب فيما سال من دماء المصريين منذ 2011.

ونقلت وكالة “رويترز” عن ابنة المستشار هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر أن الشرطة ألقت القبض على والدها اليوم الثلاثاء.

وقالت ندى جنينة لـ”رويترز” عبر الهاتف: إن 30 رجل شرطة اصطحبوا أباها من منزله في إحدى ضواحي القاهرة في سيارة، وإنها شاهدت الواقعة، لكن لا تعرف الجهة التي اقتادوه إليها. ولم تذكر مزيدًا من التفاصيل.

وهو الأمر الذي وصفه الحقوقي هيثم أبو خليل بأنه “ليس مفاجأة، في ظل الاستبداد والقمع الأمني الذي يدير به السيسي مصر”. مدينًا صمت القضاة والنخب والسياسيين على جنون السيسي وعصابته، كما استنكر صمت الشعب المصري حتى الآن بعد فقدانه مقومات أي حياة إنسانية، فلا حرية، ولا عيش، ولاماء، ولا كرامة.

فيما تساءل الإعلامي حسام الشوربجي في تدوينة نشرها على “تويتر” مصر والجيش في ظل #السيسي إلى أين؟ مضيفًا: “بيان للقوات المسلحة المصرية عشان مواطن أدلى بتصريحات صحفية، وكأن الحرب قامت في مصر بسبب تصريحات دولة معادية، يعقبها قبل قليل اعتقال هذا المواطن هشام جنينة وتحويله للنيابة، بعد محاولة اغتياله سابقا، وأختتم تغريدتة قائلا: “بجد أحنا في دولة العصابات”.

ودعا الناشط السياسي الشعب المصري للتحرك، قائلاً: “يا شعب مصر أما آن لك أن تستعيد وطنًا مخطوفًا على موائد اللئام”.

وخلال الفترة الأخيرة، والتي تلت إعلان الفريق سامي عنان ترشحه لمسرحية الرئاسة، ثم اعتقاله في السجن الحربي من قبل سلطات الانقلاب، وتعرض المستشار هشام جنينة، أحد مساعديه للضرب بهدف الاغتيال. وبعد عدة أيام من محاولة اغتيال المستشار جنينة أجرى حوار مع جريدة القدس تحدث فيه عن الحادث الذي تعرض له وذكر أنه كان محاولة اغتيال من السلطة لأمور تتعلق بالفريق عنان واختياره لجنينه مستشارًا.

وفي سياق الحديث عن مدى رغبة سلطات الانقلاب في السيطرة على كل مفاصل الدولة تطرق إلى شيطنة السلطة للاخوان وتصدير الاخوان وكأنهم شياطين مجرمين يجب مقاومتهم، وذلك خلال الأذرع الإعلامية التى تسيطر عليها المخابرات الحربية ويمكن بلورة ما قاله جنينه في قولًا واحدًا وهو خطاب التخوين.

ويمكن القول بأن هذا التصريح صدر منه بعدما تعرض لمحاولة اغتيال لم يكن يتوقعها لمجرد أنه أصبح جزءًا من جهة تنافس السلطة.

وجاء اعتقال جنينة، اليوم، على إثر تصريحات قال فيها إن رئيس الأركان السابق الفريق سامي عنان يملك وثائق وأدلة تدين قيادات في مصر بشأن الأحداث الرئيسية منذ الثورة.

وكان المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية أعلن مساء أمس الإثنين أن جهات التحقيق المختصة ستتخذ الإجراءات القانونية ضد جنينة وعنان على خلفية تصريحاته الأخيرة.

وأعرب جنينة عن خشيته من تعرض عنان لاغتيال أو تصفية في السجن، وهدد بنشر وثائق تدين الكثير من قيادات الحكم الحالي بمصر في حال الإقدام على هذه الخطوة.

كاشف الفساد

يشار إلى أن المستشار هشام جنينة هو رجل قانون عينه الرئيس محمد مرسي رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو أهم جهاز رقابي على السلطة التنفيذية في مصر. وبعد ثلاث سنوات ونصف أقاله عبد الفتاح السيسي من منصبه انتقامًا منه لكشفه حجم الفساد المالي المستشري في جهاز الدولة، والذي قال إنه بلغ 600 مليار جنيه ما بين 2012 و2015.

ولد هشام أحمد فؤاد جنينة يوم 7 ديسمبر 1954 في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية. وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1976، وبكالوريوس علوم شرطة 1976.

عُين جنينة في بداية مساره المهني ضابطا في الأمن العام خلال 1976-1978، ثم عُين 1978 معاونًا للنيابة العامة في نيابة الجيزة، فوكيلا للنائب العام بمكتب النائب العام خلال 1980-1985.

وانتخِب لعدة دورات عضوا في مجلس إدارة نادي القضاة حتى أصبح سكرتيرًا عامًا له في الفترة من 2001 وحتى 2008. وشارك عام 2006 ضمن اللجنة المُشكلة من وزارة العدل لتعديل قانون السلطة القضائية. وتولى رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات بدرجة وزير خلال 2012-2016.

دخل جنينة مرحلة حاسمة من مساره المهني حينما عُين قاضيًا في محكمة الجيزة الابتدائية، ثم رئيساً لمحكمة شمال القاهرة الابتدائية. وانتقل إلى الكويت حيث أُعير للعمل قاضيًا في محاكمها خلال 1995-2001، ثم عاد إلى ممارسة القضاء في مصر.

ظل جنينة في سلك القضاء حتى وصل إلى أعلى درجاته حين عين رئيسا لمحكمة استئناف القاهرة. واعتبارا من 6 سبتمبر 2012 تولى أعلى مناصب الإشراف القانوني على السلطة التنفيذية، حين عينه الرئيس محمد مرسي رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات بدرجة وزير بقرار جمهوري رقم 172 لسنة 2012.

وقد مكث جنينة في منصبه حتى أقاله السيسي من منصبه يوم 28 مارس 2016. ولم تكن الإقالة، التي جاءت مخالفة للدستور حسبما يؤكده قانونيون، أمرا مفاجئا؛ بل كانت إجراء متوقعا من النظام الانقلابي الذي ظل منزعجا لكون جنينة معينا من الرئيس محمد مرسي، وازداد انزعاجا بعد كشفه جزءا من فساد النظام.

كما أن المستشار جنينة يعتبر أحد رموز تيار استقلال القضاء، المعروف بدعمه الكامل لثورة 25 يناير 2011، وكان أحد أبرز المرشحين لوزارة العدل في حكومة الدكتور هشام قنديل.

ومن تصريحاته الشهيرة: “إن وزير الداخلية السابق حبيب العادلي هو الذراع الأمنية لنظام مبارك، وممدوح مرعي وزير العدل وقتها هو الذراع القانونية لاستهداف القضاء، والنظام كان يحتمي بالسلطة القضائية لتزييف الانتخابات”.

ردد جنينة كثيرا عبارة “الفساد للرُّكَب” لوصف حجم الفساد المستشري في أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك، واقترب من مناطق ساخنة كانت محظورة على الجميع بحديثه أكثر من مرة عن تجاوزات مالية في الأجهزة السيادية ووزارة الداخلية والجيش، مؤكدا تقديمه بلاغات وتقارير للنيابة العامة، ومشيرا في الوقت نفسه إلى عدم رد النيابة على تلك البلاغات.

وبعد تعيينه رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات وجد جنينة أنه يقع على عاتقه تلبية مطالب ثورة 25 يناير بالكشف عن ملفات الفساد، وتحديد آليات العدالة الاجتماعية عبر بوصلة المراقبة.

وبعد مرور حوالي ستة أشهر على توليه منصبه قال إن القوات المسلحة المصرية وافقت على إخضاع أنشطتها لرقابة الجهاز، باستثناء تلك المتصلة بالأمن القومي. وأكد أن الجهاز المركزي لم يعد تابعًا لرئيس الجمهورية مع الدستور الجديد، وأن الرئيس مرسي لم يتدخل في عمله.

وأكد جنينة أن الغرض من استقلالية الجهاز أن تظل التقارير الرقابية بعيدة عن تحكم كل الجهات والمسؤولين في الدولة، مشددا على أن الجهاز المركزي للمحاسبات جهاز قومي يحافظ على المال العام، ويجب أن يكون مستقلا ولا يتبع أي حزب أو تيار سياسي، كما يجب ألا يزج به في أي خلاف.

إقالة غير دستورية

وقد أثبت سير الأحداث أن جنينة كان مستهدفا من دبابير الفساد المنتشرة التي أعادت إنتاج نفسها بعد الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي على مرسي، خصوصا بعد أن رفض الرجل أن يصمت أو يجاري رموز هذا الفساد ومن يحميهم.

وحين صرح جنينة بأن المبالغ المفقودة بسبب الفساد بلغت نحو 600 مليار جنيه مصري ما بين 2012 و2015، شكل السيسي لجنة للتحقيق في هذه التصريحات، وقالت اللجنة إن جنينة “يبالغ، وأن حجم الفساد ستة مليارات وليس 600”.

وعندما حاول تقديم الدليل على ما قاله، قام نظام السيسي بحظر نشر أدلته، ثم فوجئ الجميع بإحالته إلى نيابة أمن الدولة العليا، ثم عُزل خلال ساعات بقرار جمهوري أصدره السيسي بدعوى “إضراره بسمعة البلاد وتأثيره على الاستثمار والاقتصاد”، وُمنع من السفر خارج البلاد.

وقد نُشر قرار الإقالة في الجريدة الرسمية للدولة رغم أن المادة 216 في الدستور الذي تم أقر عام 2014 بعد الانقلاب على مرسي لا تسمح بإقالة رئيس الجهاز المركزي من منصبه، وهو ما يتوافق مع نص المادة 20 من قانون الجهاز المركزي.

ومساء يوم الاثنين 28 مارس 2016 أصدرت النيابة العامة المصرية قرارا بالقبض عليه، وذكرت نيابة أمن الدولة العليا أن التحريات “أشارت إلى قيام هشام جنينة بجمع المستندات والتقارير والمعلومات والاحتفاظ بصورها وبعض من أصولها مستغلا صلاحيات منصبه”.

رابط دائم