أراهن أن هذا العنوان لفت نظرك ورأيته من العجائب، وحضرتك تتساءل كيف يتم إلقاء القبض على مَن أصدر كتابا نفى فيه أن بلادي فقيرة، وأكد أنها بلد مليئة بالخيرات، وأراك تطالبني بشرح هذا الموضوع بسرعة، وفي البداية أقول: لقد صدق من قال قديما: مصر بلد العجائب.
وهذا صحيح، وفيها ترى ما لا يخطر على بال أحد خاصة بعد الانقلاب وسيطرة العسكر على البلاد والعباد.

والحكاية من أولها أن السيسي خرج علينا في يناير من العام الماضي 2017 بتصريحات غريبة ومثيرة للدهشة، قال فيها: ايوه إحنا بلد فقير.. وفقير قوي كمان. وأثارت هذه التصريحات أبناء مصر وفي مقدمتهم الباحث الاقتصادي عبدالخالق فاروق وقرر الرد عليه بالأرقام، ولم يتعجل بل أخذ يبحث عن هذا الموضوع في صبر وتأنٍ وهذا دأبه طوال عمره في عشرات الكتب الاقتصادية التي أصدرها. وهو بلا جدال من أبرز المتخصصين في هذا المجال، وباحث من الدرجة الأولى أو من الطراز الممتاز.

وأخيرا صدر الكتاب قبل أيام وهو مليء بالأرقام التي ترد على ديكتاتور مصر! وخلاصته أن بلدنا غنية، لكنها تتعرض للنهب والفساد من ناحية، وسوء استخدام الموارد التي تحت أيدينا؛ حيث تذهب الكثير منها في مشروعات لا طائل منها، ولا فائدة، مع اتساع الفوارق الشاسعة بين الأثرياء والفقراء بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة.

ولم يجد صديقي عبدالخالق فاروق من يطبع كتابه الجريء هذا، وذلك لأول مرة، فالكل خائف بسبب القبضة الأمنية والاستبداد السياسي الجاثم على أنفاسنا، وقرر صاحبي الاكتفاء بطبع 300 نسخة من كتابه وتوزيعها على أصدقائه!

لكن الشرطة داهمت المطبعة وقامت بالقبض على صاحبها، ومصادرة تلك النسخ، وبعدما علم صديقي العزيز بما جرى قرر نشر الكتاب فورا بالمواقع الإلكترونية قبل أن يتم القبض عليه هو الآخر!

والغريب أن النيابة حققت معه ساعات عدة ولا أدري لماذا؟ وتفاءلت في البداية وتوقعت الإفراج عنه بكفالة، لكنني صُدمت بحبسه أربعة أيام بعد اتهامه بنشر أخبار كاذبة، وهي تهمة كاذبة لأن الكتاب الذي تمت مصادرته دون وجه حق موثق بالأرقام، وهكذا قضى الباحث المحترم أياما في قسم الشرطة مع الجنائيين والحرامية.. وهو ما أراه إهانة لمصر كلها.

وصديقي عبدالخالق فاروق ينتقد التيار الإسلامي بشدة، لكن بيننا علاقات ممتازة؛ حيث جمعتنا حركة “كفاية” وثورة مصر الخالدة، كما أنني بطبعيي أضع العلاقات الإنسانية الحلوة فوق الاعتبارات السياسية، وهذا رد على من يعتبر تلك العلاقة تدخل في دنيا العجائب.

وختام مقالي مسك بتوجيه ألف تحية واحترام لزوجته السيدة “نجلاء” وكل أفراد أسرته الذين وقفوا بصلابة خلف رب الأسرة، وكذلك صديقتها “سوزان الحرفي” التي لم تتركها لحظة في محنتها وهي صديقة للعديد من الثوار.. و”نجلاء وسوزان” نماذج رائعة للمرأة المصرية.. ربنا يحفظهن.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments