عصابة انقلاب 30 يونيو 2013 يصح وصفهم بـ”حزب الجيش”، فهم يديرون مصر اقتصاديا بعقلية تجار العملة، ولا علاقة لفكرهم بسياسة أو اقتصاد أو أمن قومي، ولا مصالح شعب، ولا يستوعب السفيه عبد الفتاح السيسي ومؤيدوه أن الدولة ليست شركة أعمال حرة هدفها الربح من البيع، ومهمة إدارتها تتلخص في جمع دولارات مقابل أرضها وسمائها وهوائها ومقدراتها وآثارها وحتى جنسيتها وأمنها.

عبارة “لو ينفع اتباع هاتباع” الشهيرة رددها المصريون كثيرا بلهجة ساخرة، بعدما خرجت حرفيا على لسان السفيه السيسي؛ في معرض تعبيره عن الشعور بالعجز تجاه حل أزمات الاقتصاد المتتالية، ويأتي فتح الباب أمام بيع الجنسية المصرية لتكتمل في أذهان المصريين الصورة القاتمة والساخرة في آن واحد.

الأسبوع الماضي اندلعت في لبنان ضجة كبيرة ضد قانون مزمع تشريعه، عن توطين رجال أعمال ورؤوس كبيرة من السوريين الهاربين من الحرب الأهلية في سوريا؛ للإقامة في لبنان، كان توطينهم في مقابل أموال يحصل عليها الفسدة في مفاصل الدولة اللبنانية، استشعر الشعب الخطر، وقال مراقبون إن لبنان ستتحول إلى مستنقع كبير لجمع وغسيل الأموال، ومع مرور الوقت سيظهر نفوذ اقتصادي وسياسي أجنبي هم يعلمون جيدا عواقبه، وهو ما سوف يحدث في مصر قريبا.

برلمان أم مزاد؟

وتتزامن خطوة بيع الجنسية، أو “بيع مصر” كما يحلو لبعض المعلقين تسميتها، مع أحاديث متصاعدة عن قرب إفلاس البلاد، فهل بدأ السفيه السيسي البحث في جميع الحلول الممكنة مهما كانت مثيرة لغضب المصريين؛ لمنع الوصول إلى الإفلاس المترقب؟ أم أن هذا الإفلاس الذي أنتجته سياسات سلطة الانقلاب المستمرة منذ منتصف 2013 كان يهدف من الأساس إلى إتاحة بيع مصر من خلال بيع جنسيتها؟

قامت الدنيا ضد المادة المزمع تعديلها في الدستور اللبناني، وتم تراجع الحكومة هناك عن منح الجنسية اللبنانية للسوريين، في نفس الوقت الذي وافق فيه برلمان الدم بقيادة علي عبد العال على بيع وتسعيرة الجنسية المصرية مقابل ٤٠٠ ألف دولار، وبالمقارنة بين البيع في مصر والمنع في لبنان، نجد أن بابا سيفتح على مصراعيه لتوطين رؤوس أموال أجنبية في كل المجالات بمصر.

ببساطة سيقوم المستثمرون المجنسون بالسيطرة على اقتصاد وأمن دولة هشة أنهكها العسكر بالقمع والغلاء، وتملك مشاريع مثلهم مثل المصريين، وقد يكون المستثمر واجهة لجهات صهيونية وليس مجرد شخص أجنبي.

سياسات الإفلاس

المتابع لسلوك العسكر يعرف جيدا أن حالة الاقتصاد المتردية لم تكن إلا نتاجا طبيعيا لسياسات تجفيف المنابع، وتقويض الأصول، التي انتهجها السفيه السيسي منذ وصوله للحكم على ظهر انقلاب عسكري أعاد مصر سنين للوراء؛ فمن التنازل عن مياه النيل، إلى التنازل عن حقول غاز البحر المتوسط، جر السيسي مصر- بخطا ثابتة- نحو الإفلاس، مستعينا بإعلام يصفق، وأحزاب سياسية ليست موجودة إلا على الورق.

السفيه السيسي الذي دعمته دول خليجية بـ60 مليار دولار كانت كافية لإعادة بناء الاقتصاد المصري، يسعى بعد خمس سنوات من انقلابه لبيع “الجنسية المصرية” لقاء وديعة دولارية، وهو ما دفع البعض للتساؤل إن كانت “المشرحة بحاجة لمزيد من القتلى”.

والسؤال: هل لجأ السفيه السيسي إلى حل كهذا بحثا عن مخرج من أزمة هو من صنعها؟ أم الأمر برمته يدخل في سياق إعادة صياغة مصر ديموغرافيا بعدما قطعت حكومة الانقلاب شوطا مخيفا في تغيير هويتها، وسياستها الخارجية، ونظرتها التاريخية لمن هو صديق ومن هو عدو؟

أبدى مراقبون تخوفا من أن تكون مسألة بيع الجنسية مدخلاً للتستر على عمليات مشبوهة، أو لحصول أطراف بعينها على حقوق المواطنة، التي يستتبعها حق التملك، والترشح للمناصب، والانخراط في صفوف الجيش، لافتين إلى أنها مسألة تستوجب التفكير، خاصة فيما يتعلق باليهود، أو أن يكون بيع الجنسية بوابة خلفية لتسهيل عمليات غسل الأموال؛ فأغلب اللصوص والفسدة في العالم يلجئون للحصول على جنسيات دول أخرى وخاصة دول العالم الثالث للقيام بعمليات تبييض الأموال بشكل شرعي.

عضو جبهة الضمير، السفير إبراهيم يسري، يرى أن الجنسية “أصبحت لعبة في يد الساسة، ينزعونها عمن يشاءون، ويمنحونها لمن يشاءون”، لافتا إلى أن رأس المال جبان، “فمن سيستثمر في بلد تحت حكم شمولي مثل مصر إلا إذا كان هاربا يسرق المزيد ويهرب مجدداً؟”

رابط دائم