يمر اليوم ذكرى استشهاد الإمام البنا رحمه الله، على يد الطاغية “فاروق الأول” في 12 فبراير 1949، فالإمام الشهيد حسن البنا، هو مجدد القرن الرابع عشر الهجرى، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)).

وهو الداعية الملهم، الذى التزم منهج الإسلام فى التعامل مع الناس، فتعامل مع الناس بالتى هى أحسن، كما هو المنهج القرآنى، وكما هو منهج النبى صلى الله عليه وسلم.

ذكر الأستاذ “عمر التلمسانى” فى كتاب ذكريات لا مذكرات: أن الإمام البنا ذهب إلى محافظة البحيرة في إحدى جولاته الدعوية، فاستضافه أحد الأثرياء في تلك المديرية، فلما جلس إليه واستمع منه، قال: إن ما تحدثني به شيء جميل وإني لرجل خير، أحسن إلى الفقير وأساعد المحتاج وأصلي وأصوم ولكن فيّ عيب كبير أظن أنني لا أستطيع الإقلاع عنه.
قال الإمام البناء: وما العيب الذي لا تستطيع الإقلاع عنه؟
قال الرجل: إني أشرب الخمر أحيانا، وهذا ما يمنعني من الانضمام إلى الجماعة.
قال له الإمام: تعال إلينا، إننا نقبلك بحالتك، فدهش الرجل.

وقد حدد الإمام البنا أهدافا وغايات لمشروعه لنهضة الأمة وقد حصرها فى:
1 ــ الفرد المسلم
2 ــ البيت المسلم
3 ــ المجتمع المسلم
4 ــ الدولة المسلمة
5 ــ إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية(الخلافة)
6 ــ أستاذية العالم.

ونحن إذ نحيى ذكرى استشهاد الإمام اليوم.. فذلك من باب العرفان بالجميل، لهذا الرجل الذى أسس جماعة الإخوان المسلمين، والتى أصبحت أمل الأمة فى إعادة الخلافة الإسلامية، فضلاً عن أنها سعت لاستئناف الحياة الإسلامية على أسس صحيحة،وهى دعوة ربانية،لأنها ربانية الوجهة والمصدر.

وهى دعوة عالمية، وليست محلية، خاصة بقطر من الأقطار، ولكنها انتشرت وأينعت ثمارها الذكية فى الكثير من البلدان، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تمتد فى قارات العالم الخمس، ولها حضور واضح بين أبناء الجاليات الإسلامية فى بلاد المهجر!!

ونحن نعيش الذكرى التاسعة والستين لاستشهاد الإمام حسن البنا رحمه الله، والجماعة تتعرض للتضيق عليها،كما يتعرض أتباعها للبطش والاضطهاد والقمع والتنكيل والاعتقال، والأحكام الجائرة، فى مثل هذا اليوم منعت السلطات الغاشمة، تشييع جنازة الشهيد حسن البنا، وإقامة عزاء لجنازته، وقد حمل الأب المكلوم والأم الثكلى نعشه ومعهما بعض النساء، ولم يشارك في جنازته غير المحامي والسياسي القبطي “مكرم عبيد باشا!!

عاش الإمام البنا عمراً قصيراً، فلم يعش سوى ثلاث وأربعين، وهكذا دائماً العظماء لا يعمرون طويلاً، لكنهم تركوا إرثاً عظيماً.

وكما قال الأستاذ أحمد عيسى عاشور: لعل أحدًا يظن أننا نكتب عن الرجل من خلال عواطفنا .. والحق أننا لا نكتب إلا ونحن مجردون من هذه العواطف.. إن الرجل في ذمة التاريخ .. وليس في حاجة إلى إطرائه فضلاً عن الغلو فيه، ثم إن ما عمله في حياته القصيرة يشهد له، مما يغنيه عن الإطراء والغلو، بل يغنيه عن العواطف، وأمامنا رجل ليس مسلمًا وليس عربيًا ولا مصريًا، إنه الكاتب الأمريكي «روبير جاكسون» يقول في كتابه “حسن البنا.. الرجل القرآني”: «لفت نظري إلى هذا الرجل سمتُه البسيط، ومظهرُه العادي، وثقتُه التي لا حدّ لها بنفسه، وإيمانُه العجيب بفكرته .. كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجلُ علي الزعامة الشعبية، لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله.

وسافرت من مصر بعد أن حصلت على تقارير وافية ضافية عن الرجل وتاريخه، وأهدافه وحياته، وقد قرأتها جميعًا وأخذت أقارن بينه وبين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد أحمد المهدي، والسيد السنوسي، ومحمد بن عبد الوهاب. فوصل بي البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعًا، وأخذ خير ما عندهم، وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء.. ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين، جرى على إحداهما الأفغاني وارتضى الأخرى محمد عبده.

كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية .. وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين مَعًا، وأن يأخذ بهما جميعًا، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد، وهدف محدد!!

وقد قال الكاتب الصحفي إحسان عبدالقدوس عن اتباع الإمام البنا، عندما زار مقر الإخوان في الحلمية عام 1945 قائلاً: «هم شباب مودرن لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم علي الأرض، يسعون بها بين مرافقها ويناقشون مشاكلها ويحسون بأفراحها وأحزانها».

وقد اعتمد الإمام البنا على منهج التربية الشاملة، فى نشر فكرته فقال: هكذا نري أن شمول معني الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولاً لكل مناحي الإصلاح، ووجه نشاط الإخوان إلي كل هذه النواحي، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلي ناحية واحدة دون غيرها يتجهون إليها جميعاً ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعاً ومن هنا كان كثير من مظاهر أعمال الإخوان يبدو أمام الناس متناقضاً وما هو بمتناقض.

ولعل أهم ما يميز دعوة الإمام البنا، هي التدرج في الخطوات وعدم استباق حيث قال في رسالة المؤتمر الخامس :طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده. ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلي غيرها من الدعوات . ومن صبر معي حتي تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك علي الله.

رحم الله الإمام البنا ، وصدق الأمير المجاهد بطل حرب الريف في المغرب محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله عندما قال لما بلغه نبأ اغتيال الإمام البنا:(( ويح مصر وإخوتي أهل مصر، لقد قتلوا وليّاً من أولياء الله)).

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم