تتشابه قصص الاعتصام في ميدان ثورة 25 يناير المعروف بميدان التحرير مع مثيلاتها في اعتصامي رابعة والنهضة، فكليهما كانا من أجل الحرية والعيش والكرامة الإنسانية، كما أنهما اجتمعا تحت راية واحدة هي راية الشعب المصري الذي كان يصلي حينا ويلهج بالدعاء حينا آخر وينظف الميدان حينا ويسعف المصابين حينا آخر، كما أنهما لم يشهدا أي سلوك يرفضه الخلق والدين، حيث كانت الوجوه صافية متوجهة لربها كي يتقبل منها شهادتها وجهادها، ولم تكن متوجهة لدنيا تصيبها أو امرأة عارية تتحرش بها أو ترقص معها على نغمات القتل “تسلم الأيادي”.

الملايين اعتصموا في ميدان التحرير منذ انتهاء يوم المعركة الكبرى مع قوات الشرطة في 28 يناير 2011، اليوم الذي بدأ بمسيرات مليونية انطلقت بعد صلاة الجمعة، وانتهى بانسحاب قوات الشرطة إلى محيط وزارة الداخلية في شارع محمد محمود بعد هزيمة ضباطها وجنودها، وتخلله قتلى بالمئات في صفوف المتظاهرين، وبالعشرات من بين رجال الشرطة.

الشعب يوثق ثورته

بعد تنحي مبارك عن الحكم، بدأ المتحمسون للثورة على الفور في توثيق ما حدث في مصر بين الخامس والعشرين من يناير حتى الحادي عشر من فبراير، لعام 2011.

شباب وفتيات جمعت المادة التوثيقية للثمانية عشر يوما التي اعتصم فيها المرابطون من أجل الحرية، من “عنف ومصادمات”، “مليونيات”، “إرهاصات الثورة”، “نزول الجيش”، فضلا عن شخصيات عامة وقفت مع أو ضد الثورة، وشخصيات برزت أسماؤها مع الثورة مثل الشهيد مصطفي الصاوي، ومقالات صحفية وفيديوهات تشمل أغانٍ ثورية من الميدان، وأحداث صدامات، وتصريحات إعلامية لمسؤولين وشخصيات عامة.

وبذلك تتزامن الذكرى السابعة للثورة المصرية مع شبه توقف لتسجيل سردية أحداثها على لسان أبطالها، سواء بمبادرات رسمية أو مدنية أو فردية، وفي المقابل تتصاعد سردية معسكر الثورة المضادة، كرواية معتمدة لأيام الثورة، دون أن تكون رسمية.

الحرية، رفع الظلم، الدفاع عن أموال الشعب، محاربة الغلاء.. هي العناوين التي تختصر ثورة 25 يناير بالنسبة لفتيان وفتيات مصر في ذكراها السادسة، هم “عيال مصر” الذين كانوا أطفالاً عند اشتعال شرارتها.

يعبرون بثقة عن آرائهم بالثورة، ويستنكرون كالكبار سقوط الشهداء والمدافعين عن الوطن. بعضهم يفهم تماماً ما حصل، ويعي لماذا ثار المصريون على الحكام.

أحد الفتيان لا يتجاوز الثالثة عشر من عمره، كان في السابعة عند قيام الثورة، لكنه رغم صغر سنه يذكر مشاهد “صعبة” بقيت في ذاكرته. ويقول بصوت واثق: “أفتكر الشهداء وأهالي الشهداء، وأفتكر الإنجازات اللي عملها الشعب في الثورة”.

ويضيف أنه يذكر مشاهد الضرب في ميدان التحرير والشهداء، ويقول: “لقد كان المشهد صعبًا”.

وما رسخ في ذاكرة إحدى الفتيات التي صارت بعمر المراهقة مع مرور ستة أعوام على ثورة يناير أنها كانت خائفة، وتعبر بالقول: “أذكر الناس الذين ماتوا، وأذكر أن أمي وأبي كانوا مشاركين في ثورة 25 يناير، وعالقين بعيدين عنا، ونحن بقينا محبوسين في البيت مدة شهر لا نخرج بسبب ما كان يحدث في الشارع”.

فتى آخر يختصر الكلام عن الثورة بأن “الجيش ضرب الناس، ضرب الشعب”. ويشير إلى أنه قصد العام الماضي ميدان التحرير في ذكرى الثورة الخامسة، وهذه السنة أيضاً مع أصحابه وإخوته.

ويدرك أحد الفتيان أن الثورة “اتعملت علشان الحرية، وحاجات تانية كتير”. لكنه يرى أن الثورة انتهت ولن تقوم ثورة أخرى بعد الآن. ورأى فتى آخر أن الثورة كانت “ضد الفساد والظلم، وضد الذين كانوا يسرقون البلد”.

منهم من لا يذكر الأحداث، ولم تعلق بذهنه أية صور عمّا جرى في ساحات مصر وميادينها وشوارعها في ذلك التاريخ. ويقول أحد الصبية “لم أتابع ما حصل، لكنني عرفت عن الثورة من الناس، كل الناس تتحدث عن 25 يناير”. ويتابع “يقولون إن الثورة حصلت بسبب الغلاء، فكل شيء أصبح غالياً”.

منهم من يذكر المناطق التي تجمع فيها الناس والناشطون وكل الذين ثاروا ونادوا بالحرية وطالبوا برحيل مبارك. أحدهم يقول “نزلت في شارع محمد محمود، وميدان التحرير ومقر السفارة الإسرائيلية، وأذكر الناس الذين ماتوا ودافعوا عنا”. ويتابع “كنا نريد قول الحقيقة، من دون خوف”.

حال الثورة وأحداثها وصلت بالصوت والصورة لمن لم يختبرها مباشرة، سمعوا عنها في وسائل الإعلام ومن حكايات الأهل والمحيطين. حدث سيبقى في ذاكرتهم مهما طالت السنوات. حدث تاريخي تتربى الأجيال على ذكره ويتعلمون معانيه وتأثيره على حياتهم. فمصر بعد الثورة هي بالتأكيد ليست كما كانت قبلها.

رابط دائم