قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة الكاتب الموالي للسلطة، مكرم محمد أحمد، اليوم الأربعاء، بوقف النشر في كل ما يتعلق بتجاوزات مؤسسة “مستشفى 57357” لعلاج سرطان الأطفال، متضمناً بث البرامج المرئية والمسموعة، إلى حين انتهاء اللجنة المشكلة من وزارة التضامن الاجتماعي لفحص موقفَيها المالي والإداري، وإعلان نتائجها للرأي العام، يمثل طمسا للحق، وعدوانا على الحقيقة، وحماية للفسدة.

المسألة تتجاوز فضائح مستشفى “57357” لتمتد إلى الفساد المستشري في الجمعيات الخيرية الكبرى منها على وجه الخصوص، في ظل مطالب شعبية تلح على ضرورة تحقيق النزاهة والشفافية في ظل حرص إدارات هذه المؤسسات والتي تربطها علاقات قوية مع أركان النظام العسكري، على التكتم على ما تحصل عليه من تبرعات وأوجه الإنفاق.

ربما يتحجج مكرم بأهمية التثبت من المعلومة قبل نشرها، وهو مبدأ أساس لكن لماذا لا يتم العمل به في كل القضايا والملفات الأخرى؟ لماذا تنهشون في سمعة وكرامة الإخوان ليل نهار بأكوام الكذب والافتراء وعندما يقترب أحدهم من الفسدة تقومون لحمايته والدفاع عنه؟

لماذا لم ترد إدارة المستشفى؟

ثم إن ما ينشر يمكن وقفه فورا إذا ردت إدارة المستشفى بشفافية ونزاهة على ما يثار ضدهامن اتهامات تتعلق بالفساد والمحسوبية والمتاجرة بآلام الأطفال المرضى وإهدار مئات الملايين من أموال التبرعات على الدعاية والإعلان والمرتبات الخيالية في ظل سيطرة عائلة واحدة على جميع مفاصل المستشفى. لكن إدارة المستشفى التزمت الصمت تجاه كل ما قيل ويثار في تأكيد على موقفها الهش والضعيف وارتكابها مخالفات بالجملة تستوجب المحاكمة والعلنية أمام الجماهير.

مجلس مكرم قال في قراره إن “مستشفى 57357 يمثل إنجازاً هاماً في مصر، فضلاً عن أنه صرح طبي ضخم له رسالة نبيلة، بصرف النظر عما تعرض له من انتقادات، صح بعضها أو لم يصح”، مشيراً إلى أنه من منطلق حرصه على استمرار هذا الصرح كإحدى المؤسسات الطبية الأبرز، فإنه يطالب جميع الأطراف بالتوقف عن الكتابة في الموضوع، بدعوى أن الجميع قد عرضوا وجهات نظرهم، بصرف النظر عما شابها من حدة في اللفظ.

وأعرب المجلس الأعلى للإعلام عن أمله في انتهاء اللجنة الوزارية من أعمالها وتحقيقاتها في غضون فترة زمنية معقولة، مشدداً على اتخاذ الإجراءات القانونية حيال أي طرف لم يلتزم بقرار المجلس، وإرسال كل من لديه جديد في هذا الشأن إلى لجنة التحقيق أو إلى المجلس الأعلى، لإرسالها إلى اللجنة المختصة.

وتضمّ لجنة الفحص المستشار القانوني لوزارة التضامن رئيساً، وعضوية ممثلين عن إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة، وأستاذا متخصصا في إدارة المستشفيات، وأستاذا في أورام الأطفال، وممثلين عن الجهاز المركزي للمحاسبات، وعن هيئة الرقابة الإدارية.

ويعدّ من ضمن اختصاصات اللجنة الوزارية “الاطلاع على محاضر مجلس الأمناء للمستشفى، والميزانيات الخاصة بالعام المالي الحالي، والخمسة أعوام السابقة، والاطلاع على جميع السجلات، وفحصها من النواحي الإدارية والفنية والمالية، ومراجعة المصروفات والإيرادات للتحقق من مدى مطابقتها أحكام القانون، علاوةً على التحقق من أوجه صرف أموال المؤسسة من تبرعات وهبات ومنح، وغيرها من المصادر المرخص لها بها”.

فساد للركب

ووجهت انتقادات حادة لإدارة المستشفى بسبب عدم قبول العديد من الحالات المرضية للأطفال، إلى جانب صرف مبالغ طائلة على الدعاية، تُقدر بنحو 133 مليون جنيه سنوياً، وصرف 280 مليون جنيه على بند الأجور، بزيادة سنوية تقدر بنحو 33 في المائة، في مقابل تخصيص 201 مليون جنيه للإنفاق على العلاج بكل بنوده، وفق ميزانية المستشفى عن العام 2016.

وكشف كاتب السيناريست وحيد حامد في مقاله “الرقص مع الذئاب” بصحيفة المصري اليوم بالمستندات استيلاء الإعلامي الشاب المقرب من مؤسسة رئاسة الانقلاب، محمد فتحي، على أكثر من 5 ملايين جنيه من أموال التبرعات، تحت ستار كتابته سيناريو مسلسل تلفزيوني شاركت إدارة المستشفى في إنتاجه، بمبلغ 28 مليون جنيه.

وكشف حامد عن مساهمة المستشفى بنسبة 60 في المائة من ميزانية إنتاج مسلسل “الشريط الأحمر”، بعد تقدم الشركة المنتجة بطلب للتصوير داخل المستشفى، وإصرار مديرها، شريف أبو النجا، على الدخول شريكاً في الإنتاج بالحصة الكبرى، وإسناد مهمة كتابته إلى الإعلامي الشاب بمبلغ غير مسبوق في تاريخ الدراما، رغم عدم وجود أعمال سابقة له في عالم التأليف التلفزيوني.

صراع الحيتان

وتبلع “تورتة” النشاط الخيري في مصر عشرات المليارات سنويا، الأمر الذي يفسر الصراع الشرس بين المؤسسات “الخيرية” الكبرى للفوز بأكبر نصيب من هذه التورتة الضخمة، حيث تتنافس “5” مؤسسات كبرى من بين “48300” جمعية خيرية في مصر للحصول على تبرعات تصل إلى المليارات سنويا، تغيب عن ادارتها الشفافية والرقابة، فتضيع هذه الأموال الضخمة؛ ولا تصل أموال الزكاة والصدقات إلى الفقراء والمحتاجين.

هذه المؤسسات الخمسة تستحوذ على “80%” من حجم أموال التبرعات السنوية، وهو ما يثير قدرا كبيرا من الشكوك التي وصلت حد الاتهامات للنشاط الخيري في مصر؛ وتتصدر هذه الجمعيات الخمسة، جمعية “الأورمان” – أنشئت عام 1993، ويرأسها اللواء ممدوح شعبان، صاحب التصريحات المثيرة للجدل الخاصة بعدم وجود فقير واحد في مصر -، ثم جمعية “رسالة” – أنشئت عام 1999 – وتتبرع بين الحين والآخر لصندوق “تحيا مصر” آخرها الـ5 ملايين جنيه لحملة علاج فيروس سي، تليها مستشفى (75357) – أنشئت عام 2007 – ثم “بنك الطعام” الذي أُنشئ عام 2006، وآخرها جمعية “مصر الخير” الذي يرأس مجلس أمنائها الدكتور علي جمعة المفتي الأسبق، وأحد أبرز المقربين من نظام 30 يونيو العسكري والتي أنشئت في 2007م.

وحسبما قالت دراسة أعدها «مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامى» فإن أموال الزكاة فى مصر بلغت عام 2011 نحو 39 مليار جنيه، لكن تقديرات أخرى تؤكد أن حجم النشاط الخيري حاليا يصل إلى 55 مليار جنيه. ولايكشف عن أرقامه سوى بنك الطعام فقط بين كل المؤسسات الكبرى التي تتكتم على ما يصلها من تبرعات باعتبارها سرا حربيا من أسرار الأمن القومي للبلاد.

رابط دائم