ليربط كل منا أحزمته، وليستعد للإقلاع علي ظهر مركبة رحلتنا الخاصة، والتي سنقوم فيها بزيارة تدبرية لساكني بلاد “البين- بين” نتأمل فيها حياتهم وعملهم ومهماتهم، ولنري كيف تمضي بهم الأيام والسنون..!!

عند ممر الدخول تطالعنا لافتة ضخمة تشرح لنا كنه تلك الحياة وأبرز ما فيها؛ فهي ببساطة ممارسة لما يمكن تسميته “نمط العدل الحركي”، وهذا الأخير هو محاولة عاجلة لتأمل صفة “الوسط” المنعوتة بها تلك الأمة، والذي هو من أهم مقدرات ممارسة دورها في حمل الأمانة بمهماتها الإستخلافية، ومن ثم ما يمكن أن تقدمه تلك الصفة لحياة الساعين الباذلين من أجل رفع لواء الحق والدين..

وبمنهج الاستبعاد نجدنا مضطرين إلي التخلي بداية عن هذا المنطق الذي يصف الوسط بأنه نقطة في المنتصف ومن ثم فالجميع عليه التحرك صوب تلك النقطة ليتَتْريس بها ويدق عندها أوتاد الإستقرار وخيمات البقاء. وإسقاط تلك الفكرة يتبدي بسبب من تلك المقولة الشائعة التي تحكي بأن الشيطان عندما كان يقف ما بين اثنين من رجال السياسة استطاع اقناعهما بأن الفضيلة في المنتصف..!
*****
إن حياة “البين”- “بين” إذن هي مساحة كاملة وليست نقطة بعينها، ولا تعني التوازن بشكل مباشر بالتصور الذي يحيلنا إلي التساوي بين كفتين، ولكنها تعني “العدل” الذي يقتضي إعطاء كل مساحة حقها ومستحقها بلا جور أو إفراط أو انحسار..

نجد ملامح تلك الحياة في فقه “الداعية الحركي المجاهد”، ما يصل به ويمتد بين الواقع، و الخيال الوراف الخصب يرحل به إلي حيث شاء من عالم الأحلام التي يبتغيها، فيبني طموحه وخططه ومراحل سعيه، ويأمل لأمته وأهله ووطنه، كل هذا في عالم موازٍ يكتمل في صدره وبين جنباته، وهو في ذلك خيّال بنّاء فاعل يغريه علي السعي والعمل، ويريحه من وعثاء سفر الغرباء الطويل وأكدارهم التي لا تكاد تنتهي، ثم ها هو يعود منه سريعا بعد زيارات خاطفة من آن لآخر، ليبدأ تنفيذ ما خططه وحلم به في عالمه المتسع النضير..

والخيال الذي نحكي عنه إذن إنما هو تلك الملكة العقلية الخاصة، وليس السراب والتيه الباعث علي الفرار من الواقع والابتعاد عنه كي لا نراه ولا نشعر بوخز من آلامه ومحنه، فهو الواحة التي نستجمع عندها خيوط قوتنا إذا حاول الآخرون التعدي عليها وسرقتها منا، وهو كذلك الراحة للعقل والقلب المنهكين حتي يتمكنا من مواصلة المسير، كما الجسد يحتاج إلي عطلة ولكنه لايركن إلي الغفلة وإن ذهب في السبات العميق..!

إن خيال الداعية الحركي المجاهد، هو فكرته التي تتكون في عقله ووجدانه، وهو نتاج رحلة تصفحه للكون الكلي من حوله..وهو في الوقت نفسه مرفأ لإلتقاط أنفاسه وسط شوط الركض السريع؛ فكم من منجزات عالم الواقع الحالي كانت في أصلها لحيظات خيال فاعل لأصحابها، وحُلم سافر فيه الوجدان ليجلبه من أصقاع بعيدة غير مطروقة أو مهملة وغير منظورة..

إن مُواطن الحياة في عالم الـ”بين”-“بين” لا يسمح للأحداث اليومية وتتابعاتها السريعة المتوالية أن تأسره بين يديها، وأن تظل تلطمه علي خده الأيمن فالأيسر، و همه في كل يوم ينصرف إلي كيف يواجه تلك اللطمات أو ربما طاش عقله وأصابه الدوار من تتابع تلك الصفعات وتواليها، وإنما هو يتوقف مليا يعيد النظر ويضبط الأوراق، فيقف كالجسور لذلك التوالي بالمرصاد، ويأخذ منه زمام المبادرة والفعل، ويحسن استغلال تلك الملكات الوثابة بداخله المتعدية حواجز الواقع وحدوده الضيقة..

ومن الجدير بذكره هنا أن هذا العالم الغير منظور ليس خيالا فحسب؛ وإنما هو في الأساس إيمان ويقين، ونظر نحو مآل خاتم، ومن ثم تتمدد حياة الداعية الحركي لينظر بعين قلبه إلي هذا العالم الغيبي اليقيني، فيأخذ منه الزاد الدافع له في عمله، فتهون في سجدة صعاب المعارك، وتتسلل الهموم فتتواري قبل أن يختم اللسان الدعاء والذكر.. وهكذا بحيث ينسجم الآداء الذي تشتبك فيه أنات المحاريب، مع صولات الميادين..
*****
تتابع المساحات الممتدة “بين”-“بين”، لتشمل إدراك مدخل “الفرد” في المسئولية، وتأدية واجباته في خضم مشتبك مع مدخل “الأمة” بحقوقها وتبعاتها مهما عظمت. ثم الإنكباب علي العالم النظري والفكري والنهل منه حتي الإرتواء، والأيدي في الوقت نفسه منغمسة في التطبيق لا تفر منه أو ترجيء مهامه، فإلحاح المظلومية الحالة له تبعاته، والتي لا تستوجب أبدا التخلي عن الفحص والبناء النظري الضابط لآداء أكثر فعالية، والمُمهد لعلم وتجربة ترتكز عليهما الأجيال القادمة..

أيضا “المواطن” في هذا العالم يعرف أن الصعاب ليست مخلوق وحيد الوجه، ولذا فهو دائم اصطحاب نظارة ذات عدستين، الأولي لتري المحنة فتصبر عليها وتتجلد وتحتسب وتبتكر سبل الدفع والرفع، والعدسة الأخري كي لا تقصر عن مشاهدة المنحة فتأتنس بها، ولا تكتفي منها بمصاحفة عابرة، بل تُضيفها لديها، وتُحسن الإستماع إليها بل وتقديمها لكل زائر ربما لم تحالفه الفرصة ليتعرف عليها عن قرب..

لا يبالغ هذا العالم “البين بيني” في نظره إلي خصمه بحيث يراه دائما جيشا لا يقهر، ويري نفسه أمامه بمرآة الدونية، بل هو “عدل” ما بين “التهوين” و”التهويل” يري المعركة بينهما جولات، ويعرف أن الهزيمة هي الإستسلام وفقدان البوصلة والمبدأ، أما المحاولة والسعي الدائمين، فهما تأكيد علي رفع الراية وسجال الأدوار، وفي الوقت نفسه فميدان المعركة يشير بأن المواجهة مازالت قائمة، ولا معني لتجاهلها أو انتظار لنهايتها بلا عمل..فالجندي الداعية يفرط في الطمأنينة المَرضية التي تجلب عليه القعود والفتور، ويصحب القلق الصحي الذي يحفزه دوما نحو الإبتكار والإبداع والنظر في الأمر من كل وجهة وفي كل بُعد..

إن هذا العالم هو التعرف علي أدوار ومسؤوليات ممنهجة في الحياة، لا تؤدي إلا باعتبارها مساحة ممتدة مشتبكة متداخلة بينها وبين غيرها، وإلا فالإنشغال والتقوقع فيها لذاتها هلاك وحيرة للفرد، ونكوص دائم للمجموع عن بلوغ مرامه..ولا ندعي أن الحياة في هذا العالم يسيرة سهلة، بل إن مواطنيه يحيون فيه دوما كمن يسير علي الخيط الرقيق بأطراف غليظة، ومن ثم يحتاج الأمر إلي دوام التنبه والحذر، مع ديمومة التوكل، و استمرار طلب العون ممن بيده مقاليد الأمور سبحانه جلّ وعلا..

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم