دائمًا لا ينظر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إلى لغة الأرقام التي تفضح دولته ومؤشرات الخراب الاقتصادي بها، في حين يعتمد فقط على لغة التهديد والخداع، فما بين الوعود الكاذبة وإشهار العين الحمراء، تتجدد خطابات السيسي بين الحين والأخر، حينما يخرج على المصريين مطالبًا ببقائه في الحكم، من خلال مطرقة الوعيد وسندان هذا الخداع.

ولا يمل السيسي من الحديث عن إنجازاته الوهمية رغم افتضاح أمرها وأمره، بدءا من “فنكوش قناة السويس” والمؤتمر الاقتصادي العالمي، مرورًا بمشروعات الإسكان الاجتماعي و”الكوين سرفيس”، وانتهاءً بسبوبة مشروعات الطرق والكباري التي تصب في خزانة الجيش.

خرج السيسي، أمس الخميس، خلال الندوة الثقافية للقوات المسلحة، ليزعم مجددا أن مصر ستكون “دولة تانية” عام 2020، دون أن يذكر مؤشرات هذه الدولة التي طالما خدع بها المصريين منذ خمس سنوات.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يصرح فيها السيسي بمثل هذه التصريحات، فقد قال الجنرال الفاشل ما هو أعظم، حينما أقسم بالله العظيم في عام 2014، وقال إن مصر ستدهش العالم بتطورها في غضون عامين، وإن المصريين سيتساءلون: “مصر إزاي بقت كده”.

الديون الخارجية

ومع مرور أربع سنوات على تصريحات السيسي، ارتفعت الديون الخارجية من 40 مليار دولار إلى 100 مليار دولار، كما ارتفعت الديون الداخلية من 1.7 تريليون جنيه إلى 3.8 تريليون جنيه، وزاد عدد الفقراء في مصر بعد تعويم الجنيه وارتفع سعر الدولار من 7 جنيهات إلى 18 جنيهًا.

فنحو مزيد من الاقتراض والديون، يقف السيسي ومعه مصر نحو منحى اقتصادي متدهور، تكبل فيه السندات إمكانية الاستقلال المالي، بطرح المزيد من السندات الدولارية بشكل مستمر رغم الخراب الاقتصادي، حتى إن مصر أصبحت أشبه بدولة الخديوي إسماعيل.

وتكشف التقارير عن أن حجم ما دخل الخزانة المصرية في أول سنتين من حكم السيسي والذي قدرته بعض المصادر بخمسين مليار دولار، لم تفد الاقتصاد الوطني في شيء، بل بُددت هذه الأموال على مشروع تفريعة قناة السويس الذي أدخل مصر منذ افتتاح هذه التفريعة في جملة من المشكلات الاقتصادية، حيث فتحت الباب على مصراعيه للاقتراض من البنوك العالمية، فضلا عن قرض صندوق النقد الدولي الذي يُقدّر بـ12 مليار دولار، والذي فرض على مصر مجموعة من الشروط وعلى رأسها إلغاء دعم الدولة للمنتجات، أدت إلى غلاء فاحش في الأسعار قُدّر بأكثر من 50% في بعض المنتجات، وأكثر من 100% مع ثبات الرواتب في القطاعين العام والخاص، ما أثر بدوره على سحق الطبقة المتوسطة والنزول بها إلى منطقة الفقر.

تحت خط الفقر

وفي تقرير للجهاز العام للتعبئة والإحصاء، ذكر أن الأسرة كاملة التي يصل إنفاقها إلى 4160 شهريًا لا تزيد على 7% فقط، ذلك المبلغ كافٍ بالكاد لتطفو أسرة فوق سطح الطبقة الوسطى، وهذا هو الاستثناء، أما باقي المصريين ففي الفقر أو على الحافة. وفي شريحة أفقر 10% من المصريين ينفق الفرد سنويا 3332 جنيها أي 277 جنيها شهريا، وارتفعت نسبة الفقراء إلى 27.8% عام 2015، مقابل 26.3% في 2013، ما يؤكد زيادة الأوضاع سوءًا للفقراء.

حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 1.5 مليون أسرة سقطت تحت خط الفقر في 2015 فقط، كما أنه مع كبر حجم تلك الطبقة وارتفاع الأسعار بشكل جنوني يفوق عدة مرات مستوى الزيادة في الأجور، فإن تلك الطبقة تتجه بمرور الوقت من درجة الفقر إلى مستوى الفقر المدقع.

وتتشابه الظروف التي يعيشها المصريون في عهد السيسي مع الظروف التي عاشها أجدادهم في عهد الخديوي إسماعيل، حيث كان الفلاحون في ذلك الوقت في أشد حالات الضنك والمجاعة، وكان من الأمور النادرة في تلك الأيام أن يرى الإنسان شخصا في الحقول وعلى رأسه عمامة أو على ظهره شيء أكثر من قميص، وحتى في ضواحي القاهرة وبالأكثر في الفيوم، وغصّت مدن الأرياف في أيام الأسواق بالنساء اللاتي أتين لبيع ملابسهن وحُليهن الفضية للمُرابين.

أسعار الوقود

هذه الظروف المتشابهة جعلت الخبير الاقتصادي برندان ميجان، في تقريره “التحديات أمام الاقتصاد المصري”، يرى أن واحدة من أخطر العقبات التي تواجه هذا الاقتصاد تتمثل في التراكم السريع للديون، لا سيما الديون بالعملات الأجنبية؛ فوفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، سوف يبلغ مجموع معدل الديون إلى إجمالي الناتج المحلي في مصر، الذي يشمل الديون بالعملة المحلية والعملات الأجنبية على السواء، 101.2% بحلول أواخر العام الحالي.

وأدت زيادة أسعار الوقود الأخيرة إلى زيادة أسعار خدمات النقل والمواصلات والأدوية والأطعمة، وأدت إلى نتائج أسوأ على المستوى الاقتصادي للمصريين ولقدرتهم الشرائية التي لن يتحملها الملايين منهم، لينتشر كساد النظام الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وهي الحالة التي تشبه ما ذكره البريطاني ألفريد بلنت عن المصريين في عصر الخديوي إسماعيل الذي أغرق مصر في الديون، وكان سببًا رئيسًا في احتلال بريطانيا مصر في عهد خلفه توفيق.

كما تشابهت ظروف افتتاح القناة، ففي عام 1869م افتُتحت قناة السويس، هذا المشروع الذي امتنع محمد علي وابنه إبراهيم وحفيده عباس الأول عن تنفيذه، حتى رضخ الخديوي سعيد لرغبات الفرنسي فردينان دليسبس ووقع عقد امتياز قناة السويس، وكان عقدا أقل ما يوصف بغير المفيد للمصريين؛ نتيجة لبنوده التعسفية ضد مصالح مصر وأمنها الداخلي، لينفذ الخديوي إسماعيل.

ثم يأتي عبد الفتاح السيسي ليقوم بهذا المشروع مجددا من أموال المصريين وثرواتهم، فبعد شهرين من ارتقائه الحكم، أطلق عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2014م مشروعه لتنمية محور قناة السويس، وكانت الدعاية المصاحبة لذلك المشروع تروج أن إيرادات القناة ستحقق سنويا 13.7 مليار دولار بداية من سنة 2023م، وسحب عشرات الآلاف من المصريين مدخراتهم في البنوك التي بلغت 64 مليار جنيه وأودعوها في مشروع القناة مقابل عائد سنوي مقداره 15% ارتفع إلى 20%، بل سحبت التفريعة الجديدة التي بلغ طولها 37 كم قدرا كبيرا من احتياطي العملات الأجنبية في البنك المركزي قُدّر بـ115 مليار جنيه، مما أثر سلبا على قيمة صرف الدولار مقابل الجنيه وأدى في نهاية المطاف إلى تحرير سعر الصرف، حيث انخفضت قيمة الجنيه إلى أكثر من الضعف، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات كافة.

صندوق النقد الدولي 

واعترف السيسي بعدم جدوى المشروع حين أعلن، في مقابلة تلفزيونية في يونيو 2016م، عن أن المشروع كان “لرفع الروح المعنوية للشعب المصري.. المصريون كانوا بحاجة ليعلموا أنهم قادرون بالمعدلات والتكاليف والوقت، والمشروع كان محاولة لتقديم الذات المصرية على أنها قادرة على صنع المستحيل، والخروج من الكبوة”.

وفي نوفمبر من العام نفسه، اضطرت مصر إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي الذي فرض حزمة من الشروط نظير تقديم القرض على دفعات تنتهي آخرها في عام 2019م، هذه الشروط التي تم تنفيذ أغلبها حتى الآن هي تعويم سعر الجنيه المصري، وإلغاء دعم الكهرباء والمحروقات، ورفع الدعم عن السلع والخدمات، وزيادة الحصيلة الضريبية للحد من الاقتراض الداخلي، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وخفض عدد العاملين بها.

من ناحية أخرى، كشف تقرير صحفي عن أداء قائد الانقلاب العسكري على مدار أربع سنوات من حيث النواحي الاقتصادية، وقال التقرير، إن مزاعم نظام الانقلاب بارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، واحتياطيات النقد الأجنبي، تم تمويله بزيادات ضخمة في الديون الداخلية والخارجية.

وارتفعت الديون الداخلية خلال سنوات حكم السيسي بنسبة 74%، بينما زاد الدين الخارجي بنحو 75%، ولم يواكب تلك الزيادة الكبيرة في المديونية تغيرًا في هيكل الإنتاج أو نقلة مهمة في خلق الوظائف أو تحسين التعليم والصحة، بما يشير إلى استخدام تلك الديون في مجالات تحقق التنمية على المدى المتوسط والطويل.

زيادة التضخم

ورغم أن البيانات الرسمية تشير إلى زيادة التضخم، إلا أنها لا تبين الفئات الأكثر تضررًا، كما أن الطرق التي يقاس بها التضخم في مصر تتعرض لانتقادات كثيرة بأنها لا تبين حجمه الحقيقي، لذلك فإن معدل زيادة الأسعار خلال عام 2017، الذي أعقب تعويم الجنيه، بلغ في المتوسط 30.7% بينما كانت العديد من السلع والخدمات قد شهدت خلال هذا العام زيادات بنسب 100% على سبيل المثال. كما تحتفي الحكومة باتجاه المؤشر للتراجع منذ بداية العام الحالي، لكن هذا لا يعني أن أحوال المواطنين ستتحسن بأي حال.

كما استعرض التقرير انخفاض إيرادات قناة السويس رغم بناء التفريعة الجديدة، والتي وصلت إيراداتها خلال عام 2017 إلى 4.96 مليار دولار، بعد أن كانت 5.3 عام 2013.

رابط دائم