ما إن يلتقط سمعى أو بصرى جملة «القوى المدنية» حتى ترد على ذهنى معانى الفوضى والخراب؛ فهذه التيارات، التغريبى منها أو سليل الأنظمة العسكرية، وراء كل داهية فى بلادنا العربية والإسلامية، بدءًا من اسمها وانتهاء بممارساتها الشاذة فى الساحتين: السياسية والاجتماعية. فاختيار الاسم فيه إسقاط على التيار الإسلامى الذى تحبذه شعوبنا؛ إذ عندما تُذكر «القوى المدنية» يُذكر فى مقابلها «القوى الدينية» أو «التيار الدينى» -حسب تسميتهم، وما يستدعيه اللفظان من التنفير من أنظمة الحكم الإسلامية، ومساواتها بما كان فى أوروبا من صراع بين الكنيسة المتطرفة والقوى الإصلاحية.

ولن نتحدث هنا عن مسمى آخر تطلقه هذه القوى على نفسها فى دول شقيقة، وهو لفظ «القوى الوطنية» الذى يجرِّد التيار الإسلامى من وطنيته، ويحصر الانتماء فى أحزابها النووية الصغيرة، فى حين يقع العبء الوطنى كاملاً على التيار الشعبى (الإسلامى) خصوصًا إذا كان الأمر متعلقًا بضريبة المقاومة أو بتضحيات تخص الأمن القومى..

الحديث هنا عن تلك الفئة المصرية والتى تعرف بـ«النخبة»، والقائمة على التنظير والتقعير والتهييج، من دون فكرة، ولا مبدأ، ولا عقيدة ومعلوم أن القوى والجماعات التى ليس لها فكرة ليس بإمكانها الثبات أو التضحية، وهى -غالبًا- على غير قناعة بما تقوم به، إنما دفعتها إلى المشاركة السياسية المزعجة مصالح خاصة تتعلق بالزعامة، أو الشهرة، أو النفع المادى.

وإذا كان البعض قد انخدع يومًا بهذه الفئة وانطلت عليه أقوالهم وحركاتهم؛ فقد وقعت أحداث كشفت خديعتهم وزيفهم؛ فهولاء يقولون ما لا يفعلون، ذوو وجهين، ينادون بالديمقراطية فإن جاءت لصالحهم صعدوا بها إلى السماء، وإن كانت لغيرهم جاهدوا لنقضها؛ لأجل ذلك يقبلون بالعيش متطفلين على أنظمة مستبدة أو عميلة، أذلة صاغرين، ولا يقبلون -فى الوقت ذاته- العيش فى ظل أنظمة عادلة من الإسلاميين. وفى الوقت الذى ينعون فيه مواطنًا منهم مات خطأ فى وقفة من الوقفات -يخرسون فى حال قُتل عمدًا الآلاف من الإسلاميين. وإذا حكم على أحدهم بالحجز أربعة أيام على ذمة التحقيق اعتبروه (أيقونة الثورة) أما إذا حُكم بالإعدام على المئات فلا ينشغلون بشىء كأن الحكم يخص أناسًا من وراء البحار..

ولو وضعت خطايا هؤلاء الناس فى كفة ثم وضعت تواطأهم يوم 30 يونيو 2013 فى كفة أخرى لرجحت كفة هذا اليوم، فلا يوم أنحس ولا أغبر منه، وقد كانوا أبطاله وهم يعلمون أن تلك البطولة سوف تدخل مصر نفق الخراب، وسوف تسيل بسببهم الدماء.. ورغم ذلك أكملوا الشوط حتى آخره، ومكنوا العسكر من رقاب المصريين… فإذا بحثت عنهم الآن فلا تجدهم؛ كأنهم آووا إلى جحور الجرذان.

إنهم يتفقون على كراهية الإسلاميين؛ من ثم تحسبهم جميعًا وقـلوبـهـم شتـى، ويرون أن الحــكـم بما أنزل الله تخلف ورجعية، وما سواه -وإن كان استبدادًا- تقدمًا وحضارة؛  فهم يشنون غاراتهم على كل سمت إسلامى، وكل مظهر فيه رائحة الدين، يريدونها إباحية من غير سلطان أخلاقى. وعلى ما هم فيه من انفلات فإنهم يعطون لأنفسهم القدسية والقوامة، ويرمون الإسلاميين بدائهم وينسلون، يتحدثون عن الأهداف السامية وغايتهم تبرر وسيلتهم، ويتحدثون عن المروءة وهم يكذبون ويزورون ويدلسون ويفترون، بل إنهم جميعًا قد اشتهروا بالتلون، ونقض العهود، وخلف الوعود فهو صديق الإسلاميين اليوم لأنهم فى الحكم، عدوهم غدًا لأنهم صاروا خارجه، وهم مصدر كل ضجيج، وطرف فى كل معركة ما دامت هناك حريات؛ فإن حكم المستبد تراهم خاشعين خاضعين لا تسمع لهم صوتًا.

وتلك القوى (المدنية!!) ليس لها رصيد فى الشارع، حُرمت المؤيدين، فما شاركت فى انتخابات إلا مُنيت بالهزيمة، وما دعت الشعب مرة إلا أوقعها فى الحرج فلم يستجب لها، وهذا سبب حسدها وحقدها على الإسلاميين الذين -رغم اضطهادهم وعزلتهم الإجبارية والتلاعب فى نتائج الانتخابات- يحوزون الأغلبية، ويكتسحون الصناديق. فهم إذًا ظاهرة صوتية، وزعامات فارغة، أو كما أطلق عليهم البعض لفظ (نشطاء وسط البلد) كأنه يقصد: لا يسمع بهم سوى شارع أو شارعان بمنطقة وسط البلد؛ فهم غرباء عن الشعب، لا يعيشون عيشته ولا يشعرون بهمومه.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم