تسببت خيانات بعض القادة العرب في مفاقمة أزمات الشعب الفلسطيني عبر صراعه مع الصهاينة، حيث بدت الخيانات والمؤامرات متنوعة وممتدة، منذ القدم حتى قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، صاحب مشروع صفقة القرن مع ترامب، لتصفية القضية الفلسطينية، ونزع سلاح المقاومة، وإنهاء قضية اللاجئين، والاعتراف بسيادة الصهاينة على القدس الشريف، التي باتت عاصمة بوضع اليد والبلطجة للكيان الغاصب.

وتكشف صفحات الخذلان العربي بأرشيف المخابرات البريطانية، ومذكرات تيودر هيرتزل، المؤسس الحقيقي لإسرائيل، عن أي مدى وصلت خيانة بعض الخونة العرب، الذي ترأسوا البلدان العربية برضا وتأييد ودعم من أعداء الأمة العربية.. ومنها:

مصر

باركت الحكومة المصرية «الصهيونية»، كما تبرع شيخ الأزهر لها، ففي أواخر القرن التاسع عشر، في عهد السُلطان عباس حلمي الثاني، ارتحل عدد من اليهود الأوروبيين إلى مصر، حيث أسسوا عام 1897 جمعية «باركوخيا الصهيونية»، التي تولت نشر الفكر الصهيوني، الذي بدأ مع قيام مؤتمر بازل بسويسرا في نفس عام إنشاء الجمعية بمصر، وتناول لأول مرة إنشاء وطن قومي لليهود، لتكون مصر هي نقطة انطلاقة المشروع الذي تحوّل لدولة إسرائيل فيما بعد.

وقتها لم يكن أحد يعلمُ الوجهة الحقيقية للرغبات الصهيونية؛ وفي عام 1904 وصل هيرتزل– الأب الروحي للصهيونية – إلى مصر في استقبال رسمي من الحكومة المصرية، حاملًا مشروعه الطموح بإنشاء دولة يهودية في فلسطين، أو تجمع مؤقت في سيناء، لينجح بعدها في تأسيس جمعية ابن صهيون التي أُنشئت في الإسكندرية، وأعلنت تبنيها لبرنامج المؤتمر الصهيوني الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا.

وفي عام 1918 وصل إلى مصر حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، واستُقبل بحفاوة رسمية، امتدت لتشمل شيخ الأزهر آنذاك، الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، الذي لم يكتفِ بالمشاركة في الاستقبال الرسمي الذي عُزفت فيه الموسيقى اليهودية، بل تبرع أيضًا للمنظمة الصهيونية بمبلغ 100 جنيه مصري، وكانت مصر وقتها تحت الاحتلال البريطاني الذي أصدر وعد بلفور متعهدًا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917.

وفي كتابه «المفاوضات السريّة بين العرب وإسرائيل»، يقول المؤرخ والصحفي محمد حسنين هيكل: «زادت أعداد اليهود في مصر مع بداية الاحتلال البريطاني من بضعة آلاف إلى أكثر من 38 ألفًا عام 1907، وطبقًا لإحصاء عام 1927، فإن الرقم تضاعف حتى تجاوز 63 ألفًا».

ويضيف هيكل في سطورٍ أخرى: «قررت السلطات البريطانية تسهيل دخول اليهود إلى مصر، لكنّها أرادت أن يكون ذلك بإقناع السُلطان حسين كامل ورئيس وزرائه، وبالفعل وافقوا وأصدروا الأوامر بفتح معسكرات استقبال لهم في الإسكندرية شمال مصر»، وبحسب الوثائق البريطانية، فإنّ رئيس الطائفة اليهودية في مصر كان قد طلب من وزير الدفاع البريطاني السماح بتشكيل كتائب يهودية، ضمن جيش الجنرال اللنبي، الذي كان يستعد للزحف على جيش الدولة العثمانية في فلسطين والشام، وسمح أيضًا للجنود بوضع نجمة داوود على مقدمة قبعاتهم.

وحتى عام 1948 لم تكن مصر قد اتخذت سياسة لوقف النشاط الصهيوني حتى بعدما اتضحت سياساتهم، إلا في حادثة واحدة وقعت في صيف عام 1944، عندما تقدم الاتحاد الصهيوني بطلب إلى رئيس الوزراء آنذاك، مصطفى باشا النحاس، يطلب فيه الاعتراف بالاتحاد ممثلًا للشعب اليهودى في مصر، فما كان من النحاس إلا أن رفض طلبهم، وأبلغهم بوقف نشاطهم في مصر؛ المثير أنّ هذا الوقف لم يستمر إلا شهورًا فقط، الأمر الذي يشير بقوة إلى تغلغل الصهيونية في الحياة السياسية المصرية وإنشاء صداقات مع رجال الطبقة الأولى، لا سيّما القصر نفسه، وعلى بُعد خُطوات من الملك فاروق وقتها.

شريف «مكة»

وبعيدًا عن مصر التي سقطت من أملاك الدولة العثمانية، كانت أطراف الخلافة الإسلامية إما تتمزق أو تحاول الانفصال، بعدما انتزعت منها دول الوفاق (إنجلترا، وفرنسا، وروسيا) أراضي شاسعة؛ مما استدعى السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1908) إلى إعلان الجهاد المقدس لاستنفار 50 مليون مسلم لإعادة أمجاد الإسلام الضائعة، وبالرغم من أن هذا النداء كان له صدًى مُزعجًا لدى دول الوفاق، إلاّ أنه أخاف أمراء البلدان العربية التي تسلّل حماس الفكرة إلى شعوبها.

يقول هيرتزل في مذكراته: «قابلتُ جاويد بك ابن الصدر الأعظم– رئيس الوزراء العثماني– ورتبنا الأمور جيدًا؛ جاويد مستعد لتفهم مشروعنا والمساعدة فيه، لكنّ اعتراضه الوحيد على مصير الأماكن المقدسة»، تنتهي السطور بالإحباط التام بعدما كتب: «أقرُّ على ضوء حديثي مع السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا يًمكن الاستفادة من تركيا، إلا إذا تغيرت حالتها السياسية»، لكنّ هذا اليأس اليهودي سُرعان ما أحياه أمير عربي مُسلم.

في تلك الأثناء، كان الحُسين بن علي، شريف مكة، يعمل على الاستقلال عن الدولة العُثمانية، شأنه في ذلك شأن الكثير من أمراء الجزيرة، لذا عرض الحُسين على البريطانيين أن يشترك معهم في الحرب ضد الأتراك؛ مقابل الاعتراف باستقلاله عن الدولة العثمانية، وبدأت مراسلات الشريف حسين وهنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني لمصر، فيما عُرف بمراسلات «حسين – مكماهون»، والتي ظهر فيها طموح الأمير العربي، وأطماعه الشخصية في أن يكون الخليفة الجديد، وأن تتشكل دولة عربية كبرى مُستقلة، وفي عام 1916 أعلن الحسين بن علي الثورة العربية الكبرى بدعم بريطاني، وبمساندة عسكرية فرنسية، وخاضت قواته معارك في الشام لإسقاط الدولة العُثمانية.

مؤسس الدولة السعودية الأولى، عبد العزيز آل سعود، أمير الرياض وقتها، تحالف هو الآخر مع بريطانيا ضد الدولة العُثمانية، ودخل في مباحثات سرية أدت في النهاية إلى توقيع معاهدة «دارين» التي حصل بموجبها على اعترافٍ رسمي بدولته الوليدة، وفيما كان آل سعود يحافظون على أمن الخليج ويؤمنون المواصلات البريطانية، سرّبت روسيا بنود اتفاقية «سايكس- بيكو» لاقتسام أراضي الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا، ليُفاجأ شريف مكة بأن حلفاءه غدروا به، وأنّ الشام الذي انتزعه من الخليفة العثماني لن يستطيع الاحتفاظ به، وأنّ فلسطين أيضًا وُضعت تحت إدارة دولية، تمهيدًا لتسليمها لأصدقاء آخرين بذلوا دورًا خفيًا في الحرب.

الخيانة التي تعرض لها الأمراء العرب لم تُغيّر أطماعهم ولا أصدقاءهم، وبحسب المراسلات التي كانت بين فيصل بن الحسين ووايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، فإن الطرفين توصلّا إلى اتفاقية «فيصل- وايزمان»، والتي جاء فيها: «يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين»، يُسطّر وايز مان السطر المهم في القصة قائلًا: «لا داعي للخوف من العرب، فهم ضعفاء بطريقة بائسة».

حرب فلسطين

وبعدما وجدت بريطانيا أنّ أصدقاءها في الشرق يدعمون سياستها سرًا، بدأت الحكومة الإنجليزية إصدار القوانين التي تسهل انتقال الأراضي المملوكة للدولة العثمانية إلى اليهود، وفي عام 1922 أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض الأول، والذي وعدت فيه بريطانيا العرب مرة أخرى بأن الاستيطان لن يؤثر على وجودهم، لكنّ الغضب العربي لم يكن ليقبل بالسياسات الجديدة، وفي عام 1930 صدر الكتاب الأبيض الثاني، الذي أكد صراحة على تنفيذ وعد بلفور، ليستمر الغضب المكتوم خمس سنوات أخرى.

وفي عام 1935؛ انتفض العرب أخيرًا بتشكيل لجنة عربية عُليا، طالبت بإيقاف الهجرة اليهودية، وتشكيل حكومة فلسطينية، ومنع انتقال الأراضي، وبعدما قوبلت طلباتها بالرفض، اندلعت الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936، واستمرت ثلاث سنوات، لكنها انتهت بالفشل والخُذلان؛ فبريطانيا لجأت إلى ملوك العراق والسعودية والأردن واليمن كي ينصحوا الثوار بـإنهاء الإضراب ووقف القتال واللجوء إلى التفاوض والتباحث مع لجنة بيل الإنجليزية، وطالبوهم أيضًا بأن يمنحوهم ثقتهم في التفاوض مع الجانب البريطاني الجاد في حل الأزمة، لتنتهي القصة بإصدار اللجنة البريطانية التي تباحثت مع الثوار، وتفاوضت مع اليهود، أول مشروع لتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطينية ويهودية.

البلطجي الأمريكي

ومع انتهاء الثلاثينات، انتهى الوجود البريطاني لصالح الولايات المتحدة، التي دعت مندوبي المنظمات الصهيونية الموجودة في فلسطين، وعقدت مؤتمر «بلتيمور» عام 1942، وكان من نتائجه تشكيل قوة عسكرية تحارب تحت علمها الخاص، كما منح القائمين على إدارة فلسطين حقوقًا إدارية تمهيدًا لاستلام أمور الحُكم، وفي تلك الأثناء كانت جامعة الدول العربية قد تشكلت بدعمٍ بريطاني، لكنها ظلّت عاجزة عن اتخاذ أي قرار؛ نظرًا لأن قرارتها غير ملزمة للدول الأعضاء، علاوة على أنّ أعضاءها لم يكونوا ليغامروا بفقد الحليف الأمريكي لصالح القدس، ومنهم الملك الأردني عبد الله الأول، الذي فقد حياته  في القدس بأيدٍ فلسطينية، خوفًا من توقيع اتفاق سلام منفردة مع إسرائيل بحسب الروايات؛ وبعد إحالة القضية إلى الأمم المتحدة عام 1947، اتفقت 23 دولة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، واشتعلت الحربُ التي كان شعارها: تحرير فلسطين، لكنها انتهت بوابلٍ من قصص الخذلان أو ما أُطلق عليه فيما بعد؛ الحرب المزيفة.

واستمرت الخيانات العربية للقضية الفلسطينية في زمن العساكر الحنجوريين، حتى وصلت قمة الخيانات والضغوط العربية على الفلسطينيين من أجل تمرير الاشتراطات الصهيونية، بخيانة منقطعة النظير.

صفقة القرن

تعد صفقة القرن قمة الخيانة العربية للفلسطينيين، حيث يقدم السيسي سيناء لصالح الصهاينة ليطردوا فلسطينيي الضفة إليها أو يوطنوا 6 ملايين فلسطيني بالشتات، بينما تمول الإمارات والسعودية الصفقة بنحو 100 مليار دولار، لإنهاء القضية الفلسطينية وتحويل إسرائيل لكيان خالٍ من أي عرقية غير اليهود.

وكانت بعض الصحف الأجنبية قد سربت بعض بنودها المتمثلة في إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة وأجزاءً من الضفة الغربية، وأجزاء من سيناء المصرية مع توفير الدول الراعية لذلك الاتفاق 10 مليارات دولار لإقامة الدولة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزة والإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة، مع تأجيل وضع القدس وقضية عودة اللاجئين لمفاوضات لاحقة، على أن تبدأ محادثات سلام إقليمية بين إسرائيل والدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية.

وحتى الآن تحظى الصفقة بمباركة أربع دول عربية وفق التسريبات الأجنبية: (مصر، والسعودية، والإمارات، وسوريا)، فيما يتحفظ عليها الأردن، ولا يرفضها، وتشير الوثائق السرية إلى ضلوع دول عربية أخرى فيها.

Facebook Comments