ذهب التسعة شباب إلى ربهم؛ ليلحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم بالشهادة، ذهبوا فرحين بما آتاهم الله من فضله، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ وذلك جزاء من قُتل فى سبيل دينه فلم يجزع، وكان من الذين قال الله فيهم (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا..) [الأحزاب: 22]..

ذهبوا إلى الله عليهم أثر القتل، يدينون به كل من نفذ أو شارك أو حرّض أو أشار بالموت؛ فلهم الحياة الفضلى عند ربهم يُرزقون، وللقتلة النكال والعذاب الأليم، فى الدنيا والآخرة (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93]، بل العذاب والنكال أيضًا لمن رأى الجريمة فسكت؛ فإن سنة الله فى هؤلاء الأقوام (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25].

ليهنأ الشهيد بما أعده الله له من نعيم، وليخسأ القاتل بفعلته، ولينتظر حكم الله فيه وفيمن تابعه. إنه ما من جبار إلا قصمه الله وجعله وقومه آية، وما أُوذى ولى إلا اقتص له مولاه، عاجلاً غير آجل، وما سمعنا أن قومًا ممن حادوا الله وتجرءوا على رسله وأنبيائه وأوليائه نجوا من العقاب، إلا قوم يونس لما آمنوا، إنما الإجرام تقابله النقمة، والظلم يقابله العذاب، من لدن نوح مرورًا بصالح وهود حتى نبينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وحتى عصرنا الحديث، بل يوم أمس؛ ذلك أن الله عدل قسط لا يفوته القليل ولا الكثير، ولا الفتيل ولا القطمير، ولو تركها على الظلم لفسدت، وإذا أملى للظالم فإنما يملى له استدراجًا حتى إذا أخذه لم يفلته، وما من مجرم إلا ونال جزاءه فى الدنيا، وعند الله تجتمع الخصوم، وما كان ربك نسيًّا.

إنه إذا استحرّ القتل فى الصالحين الذين لم يُقتلوا إلا أن يقولوا ربنا الله؛ فإن الجبار يأذن بخراب ديار المجرمين، فلو أتوا بما لم يأت به الأولون والآخرون لم ينصلح حالهم، ذلك أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وهل هناك فساد أشد من القتل، وهل هناك محاداة لله أشد من إزهاق ولى من أوليائه؟

ستخرب ولا منقذ لها، ولا يستطيعون، وسيطلبون العفو فلا يجدونه إلا أن يروا العذاب الأليم، كمن خربوا بيوتهم بأيدى وأيدى المؤمنين، وقد أخذتهم العزة بالإثم، وبغوا وتكبروا، وظنوا ألا رادع لهم، وقد زين لهم الشيطان أعمالهم وأضلهم عن سواء السبيل.

لا كرامة ولا عفو لمن قتل النفس، ولمن قطّع الأرحام، ولمن لم يمنعه دين أو ضمير أو عرف من حصد الشباب، لقد مُنحوا الفرص تترى لكى يثوبوا إلى رشدهم، لكن يبدو أن سكرة السلطة قد أعمتهم وأذهبت عقولهم جميعًا؛ فليس من بينهم رجل رشيد.

إن ما جرى بالأمس كشف عن وجوه قبيحة، وعقول خربة، وأزاح الستار عن مؤامرات وعمالة، ليست من اليوم بل ممتدة منذ عشرات السنين، كما كشف عن جهل وغباء؛ فإنهم يحفرون قبورهم بأيديهم، ويمهدون الأجواء للقصاص العادل، ولم يأخذوا العبرة من السابقين. لقد خانوا وغدروا ونقضوا العهود، وسلموا أنفسهم للشيطان، وتناسوا أن الدماء لا تنام، وأن القصاص آت آت، لا يعطله إلا انتظار الأيام..

نحزن على إخوة لنا سبقونا إلى دار الخلد قتلهم المجرمون، لكننا نغبطهم، ونرجو أن نموت موتتهم فداء للدين.. ونحزن على بلد ضاع؛ أضاعه المارقون، أضاعوه بسفك الدماء وهدم بنيان الله، القادر على أن يبدل حزننا فرحًا، وأن يُعمِل قدره بإهلاك تلك الفئة الضالة الغاصبة؛ فنسأله أن يعجل بتكحيل أعيننا بنصر الإسلام ودحر هؤلاء الأقزام.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم