ثمة حقيقة لا يمكن إغفالها، وهي أن أنقرة دخلت عملية الاصطفاف باكرًا إلى جانب قطر، وأن مقولة الحياد الإيجابي لا يمكن إنكارها، مهما تجنّبت أنقرة استفزاز العواصم الخليجية الواقفة في الجانب الآخر من التوتر أو إغضابها، وقد تحول موقف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد الحديث عن لعبة ما تدار خلف كواليس الأزمة.

ثم أعلن أردوغان أن تركيا ستتمسك باستمرار تطوير العلاقات وتقديم كل أنواع الدعم للدوحة، ولتحسم لاحقًا برفضه تهمة دعم الإرهاب الموجهة إلى قطر، وعدم قبول الاعتماد على الافتراءات في العلاقات بين الدول، ومطالبته برفع الحصار عن قطر تماماً ونهائياً، لأنه عمل لا إنساني، ومخالف للإسلام.

بعدها قررت تركيا إحباط الاجتياح العسكري الذي كانت تعده عصابة الحصار (السعودية الإمارات البحرين مصر)، ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحكم، تسعى تركيا إلى توسيع تواجدها بالخارج سواء عبر توطيد العلاقات التجارية والعسكرية مع الكثير من الدول الحليفة والصديقة، أو عبر محاولة إنشاء قواعد عسكرية لها بالخارج.

ويعتبر الجيش التركي ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي “الناتو” بعد الجيش الأمريكي، ويولي رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أهمية خاصة لتطوير الصناعات الحربية التركية ضمن خطته الإستراتيجية للنهوض بتركيا حتى عام 2023، والتي بدأها منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002.

دبلوماسية الدبابة

وكشف نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي علي إحسان يافوز، أمس الأربعاء، أن تركيا وقطر وقعتا اتفاقا لشراء أول دبابة قتال رئيسية تركية محلية الصنع طراز “ألتاي”، وقال “يافوز” إنه وفقًا للاتفاقية، ستشتري قطر ما يصل إلى 100 دبابة قتال رئيسية من طراز “ألتاي Altay ” من تركيا وسيتم تسليم 40 منها إلى قطر في المرحلة الأولى.

وأشار “يافوز” إلى أنه بعد التسليم الأول ستبدأ الدبابات باستخدام محركات تركية محلية الصنع، موضحا أنه يتم تشغيل النموذج الأولي من دبابات Altay بواسطة محرك ديزل بقوة 1500 حصان من طراز MTU Friedrichshafen GmbH ألماني الصنع حاليا، وذلك وفقا لما ذكره موقع “آراب ديفينس”.

يشار إلى أنه بالإضافة للقوات التي كانت موجودة في قطر بالفعل قبل الحصار، فإنه بعد اندلاع الأزمة الخليجية بيومين فقط، وتحديدا في 7 يونيو 2017، أقر البرلمان التركي قانونا يسمح بنشر قوات تركية في القاعدة العسكرية التركية في قطر، وفق الاتفاقية الموقعة مع الدوحة عام 2007.

وبعد ذلك بأيام وتحديدا في 19 يونيو، نشرت تركيا مزيدا من القوات بالفعل بالقاعدة، ثم أجرت قوات البلدين خلال الفترة ما بين 5-6 أغسطس 2017، مناورات عسكرية برية، أعقبتها مناورات مشتركة للقوات البحرية في 6-7 من الشهر نفسه.

كما توالت التدريبات المشتركة والزيارات المتبادلة بين المسئولين العسكريين من البلدين لتعزيز التعاون العسكري، علاوة على زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للدوحة، وزيارة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر لأنقرة، كأول دولة يزورها عقب الحصار، كما زارها مرتين خلال يناير 2018.

وبدأت تركيا نهاية العام 2013 تصنيع الدبابة الجديدة “ألتاي”، بالإضافة إلى صاروخ أرض-أرض من طراز “يلدرم”، وآلية عسكرية جديدة تسمى “القنفذ”، التي تقدمت العديدُ من الدول العربية والعالمية بطلبات لاقتنائها.

تحالف قوي

الواضح أن أنقرة التي اعتبرت نفسها حليفا وشريكا لدول الخليج، أزعجها تصعيد عصابة الحصار ضد قطر، من دون إبلاغها بها مسبقا باسم التحالفات الجديدة، وتنكّرا لدورها الذي لعبته إبّان الأزمة الأولى عام 2014، ومحاولة واضحة لإخراجها من المشهد باتجاه تفعيل قرار محاصرة قطر وعزلها أولا، ثم إضعاف الشراكة القطرية التركية المترسخة أكثر فأكثر ثانيا.

وتقول تركيا إنها، في تفاهماتها مع دول الخليج، تحرّكت دائما على أساس حماية العلاقات المشتركة مع البيت الخليجي، انطلاقا من مبدأ “أنا وابن عمي على الغريب”، فوجدت القاعدة تتحول إلى “أنا والغريب على ابن عمي”، أنقرة غاضبة، لأن تضييق الخناق على قطر، واستهدافها بهذا الشكل يعني استهداف مصالح تركيا وقطر الاستثمارية والعقود التجارية والعسكرية والإنمائية المشتركة التي وصلت قيمتها إلى 40 مليار دولار، وفي مقدمتها مشاريع التجهيز للمونديال الذي تنظمه قطر بعد ست سنوات.

ترفض أنقرة أيضا ما يقال حول أن المصادفة وحدها هي التي جمعت هذا التحرك العربي الواسع ضد قطر، بعد أيام فقط على مغادرة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، السعودية عقب انتهاء قمة الرياض الإسلامية، وهي متمسكةٌ بالربط بين ما تعد له واشنطن في الإقليم، وخطط وملفات تنظيمات وقوى عديدة ضدها هي، قبل أن يكون ذلك ضد قطر، وإلا ما معنى أن ترفض الإدارة الأمريكية كل تحذيرات أنقرة في عدم لعب ورقة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، والذي ترى فيه هي تنظيما إرهابيا.

وكان سحب مشروع الاتفاقية العسكرية التركية القطرية من أدراج البرلمان التركي، ومناقشته وإقراره بهذه السرعة، انحياز تركي غير قابل للنقاش للموقف القطري، ورسالة إقليمية ودولية أن تركيا ستواصل اتخاذ مزيد من التدابير والقرارات، وستكون هناك مفاجآت ثنائية وإقليمية أخرى، إذا ما تمسكت واشنطن بمواصلة لعبتها الإقليمية الجديدة على هذا النحو.

وبذلك، فإن محاصرة قطر وعزلها مشروع أمريكي بامتياز للإطاحة بالمتمرّد على المزرعة الأمريكية الرئيس أردوغان وقطع الطريق على خطط تعزيز التقارب التركي القطري الإقليمي، وإبعاد قطر عن تركيا ومنع الوجود العسكري التركي في الخليج.

خيوط المؤامرة

تقارير استخباراتية تركية وأوروبية بدأ الإعلام التركي في الكشف عن تفاصيلها تلتقي عند تقاطع أن عملية عزل قطر جرى الإعداد لها قبل أسابيع، وأنها خطة متعددة الأهداف، وستكون على مراحل، تبدأ بإخراج قطر من المشهد الإقليمي، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية.

وهى محاصرة تركيا وتعطيل دورها في ما بعد معركة الرقة، بغرض تسهيل نقل ما تبقى من مجموعاتٍ تابعةٍ لتنظيم داعش إلى بقعة جغرافية جديدة، وتفعيل دور حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ومشروعه التفتيتي في سورية، ومحاصرة أنقرة بقرار الاستفتاء على إعلان الدولة الكردية في شمال العراق الذي سيكون تمهيدا لمحاولة جديدة باتجاه إشعال مدن جنوب شرق تركيا وقراها المعروفة بغالبيتها الكردية.

يبدو أيضا أن جولات أردوغان الإستراتيجية، الآسيوية والأفريقية، وخصوصا على خط بكين اسطنبول، وإعلانه أن خط الحرير الدولي قادم لربطه بمشروع الطاقة التركي الروسي بشراكة قطرية، وإصرار إيران على أخذ مكانها فيه هي بين أسباب التحرّك الأمريكي السريع لتوجيه الضربات إلى شركاء تركيا، ولتكون البداية مع قطر.

رابط دائم