حذرت دراسة من أن تصريحات عدد من وزراء حكومة الانقلاب المنتقدة لغياب المخصصات المالية بالموازنة واستجدائهم وزارة المالية لتوفير اعتمادات مالية لضمان الاستمرار في تأدية دور الوزارات إزاء المواطنين.

وطرح “الشارع السياسي Political Street” دراسة بعنوان “تخلي الحكومة عن مسئولياتها الاقتصادية والاجتماعية بالموازنة الجديدة.. جريمة دستورية وتهديد لحياة المصريين”، أكد فيها توقعه قرب إجراء تعديل حكومي مخدود بحكومة مصطفى مدبولي، بعد تصريحات أطلقها عدد من الوزراء عن ازمة نقص الموارد المالية، التي تمكنهم من تقديم خدمات مجتمعية لائقة بالشعب – حسب تعبيرهم – وهو ما تجلى بتصريحات وزيري التربية والتعليم والصحة، خلال مناقشة ميزانية وزارتيهما بالبرلمان.

ورأت الدراسة أن توقع القادم الأسوأ هو ما دفع المخابرات والأجهزة الأمنية للدفع نحو تغيير الوزيرين كما يرجح المراقبون للشأن المصري، بجانب منع ظهورهما الاعلامي او التعاطي الاعلامي معهما ، أو نشر أخبار عن وزارتيهما، لحين إتمام التعديلات.

وقالت إن الادارة العسكرية للمنظومة المصرية، تعتمد اخفاء الحقائق عن الشعب وفقط، وعدم اطلاعه على حقيقة آلامه التي يشعر بها ويتيقن بها، إلا أنه لا يستطيع أن يعبر عنها، في ظل سيطرة كاملة من الأذرع الأمنية على خريطة الإعلام المصري بكافة أشكاله.

مشروعات السيسي

وأشارت الدراسة إلى أن الدولة تواصل سياسة الاستثمار فيما يُسمى بـ”المشروعات القومية”، عبر عدد ضخم من عقود تطوير الطرق والمشروعات السكنية والمنشآت الطبية ومشروعات المياه، تشارك في تنفيذ معظمها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، فضلًا عن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي تمتلك القوات المسلحة -عبر جهاز الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة 51% من الشركة المالكة له.

ونقلت عن عمر الشنيطي المدير التنفيذي لمجموعة “مالتيبلز” للاستثمار مرجحًا خفض الحكومة المخصصات الموجهة للدعم عما كان متفقا عليه مع صندوق النقد الدولي إلى ما قال إنه “عدم اليقين من القدرة على تحصيل الإيرادات التي أعلنت عنها الحكومة في الموازنة الجديدة وخاصة فيما يتعلق بالإيرادات الضريبية”، مضيفًا أن “مخصصات الدعم تبدو أكثر البنود التي يمكن تقليصها مقابل بنود أخرى لا تملك الحكومة المساس بها من قبيل مخصصات الفوائد التي ترتبط بعوامل لا يد للحكومة فيها من قبيل سعر الفائدة في السوق العالمي”.

موازنة للإفقار

وحذرت الدراسة الطويلة من أن البيان التمهيدي للموازنة العامة لم يحمل ما يشير إلى تغيير في سياسة الدولة المُعلنة فيما يتعلق بالأجور، بالرغم من أن العام المالي الجديد يفترض أن يشهد تنفيذ حزمة من الإجراءات المرتبطة برفع الأجور والتي أعلن عنها عبد الفتاح السيسي مؤخرا، إذ بلغ النمو في مخصصات الأجور 11.5%، ما يعني أن النمو الحقيقي في تلك المخصصات – بعد خضم معدل التضخم المستهدف- لا يتجاوز 1.5%، كما تراجع الوزن النسبي للإنفاق على الأجور إلى إجمالي المصروفات بشكل طفيف – كما يبدو من الشكل السابق.

وقالت: إن المصريين خلال العامين الأخيرين يعانون من تراجع ملموس في مستويات معيشتهم، بعد انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع والخدمات بمعدلات كبيرة وبشكل متزامن، على غير ما ألفوه من تغييرات تدريجية خلال العقود السابقة، وترتبط معاناتهم بتطبيق برنامج “إصلاح اقتصادي”، يستهدف إخراج الاقتصاد المصري من أزمته عبر حزمة من السياسات التقشفية التي تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي.

نسبة الفقر

وقالت الدراسة إن الأخطر على المصريين، الذين قدر البنك الدولي نسبة الفقر بينهم بـ60%، تراجع الإنفاق الحكومي – وفق الموازنة الجديدة – على عدد من البنود التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، في الوقت الذي تتوسع الدولة في الإنفاق على عدد من مشروعات البنية التحتية والإنشاءات، التي لم تطرحها للحوار المجتمعي ولم توضّح لماذا تعتبرها أولوية؟ بينما هي لا تصب بأي شكل في تحسين المؤشرات الأساسية التي يسعى البرنامج الاقتصادي لتحسينها، وعلى رأسها الموازين الخارجية والدين العام، فضلًا عن السيطرة على عجز الموازنة الذي يفترض بالضرورة تقليص النفقات وزيادة الإيرادات.

ورأت أن الأخطر أيضا هو تمويل المشروعات الكبرى عبر الاقتراض والديون، التي يبتلع سداد فوائدها ما يقرب من 40% من الإنفاق الحكومي سنويًا، متفوقًا على نصيب الأجور والدعم والاستثمارات العامة من هذه النفقات.

معللة بأن المواطن بذلك يتحمل الزيادات المتوالية في الأسعار، وانسحاب الدولة من دعمه، فضلًا عن عدم تقديمها أي ضمان لزيادة دخله، في سبيل تحقيق توازن لمؤشرات مالية يصعب أن تتوازن بشكل فعلي دون تغييرات كبيرة في هيكل الاقتصاد، لا يتطرق إليها برنامج “الإصلاح”.

المواطن يتحمل اللاجدوى

ولفتت الدراسة إلى ما طرحته حكومة السيسي وكانت الحكومة المصرية قررت في يوليو 2016 (نفس العام الذي بدأ فيه البرنامج الاقتصادي) خفض الضرائب على الشريحة الأعلى من الدخل لتكون 22.5% بدلًا من 25%، وألغت في نفس الوقت ضريبة استثنائية مدتها ثلاث سنوات طبقت عام 2014 بنسبة 5% من دخل المواطنين الذي يزيد على مليون جنيه مصري سنويًا، كما ألغت ضريبة نسبتها 10% على الأرباح الرأسمالية.

ثم لحق تطبيق ضريبة القيمة المضافة قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر من نفس العام، والذي ترتب عليه انخفاض قيمة الجنيه إلى النصف ومعها القدرة الشرائية للمصريين، وكان هذا القرار هو تذكرة المرور للحصول على الموافقة النهائية على قرض صندوق النقد، والذي صُرفت لمصر الدفعة الأولى منه بعد أسبوع واحد من تعويم العملة. وفي نفس الليلة رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 30 إلى 80%.

نتيجة لهذه القرارات المتتالية بدأت موجة غلاء طاحنة، ووصل معدل زيادة أسعار المستهلكين (التضخم) لمستويات قياسية، وسجل 30.7% في المتوسط خلال عام 2017 الذي تلى التعويم.

وخلصت إلى أن المواطن (وليس الدولة أو المستثمر) هو أكبر متحمل لتكاليف سياسات الإصلاح، سواء تلك المبنية على خفض النفقات أو المؤدية لزيادة الإيرادات، فرغم تأكيد صندوق النقد على أهمية التوسع في فرض الضرائب على أصحاب الدخل الأعلى وملاحظاته في الوثائق الخاصة بمتابعة البرنامج الاقتصادي المصري التي تشير إلى أن الضرائب على أرباح الشركات تشهد تراجعًا مستمرًا خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أنه في نهاية الأمر سمح للحكومة بالتراجع عن الضرائب التي كانت قد بدأت تفرضها على أصحاب الدخل الأعلى، وعلى المعاملات الرسمألية، بينما ضغط عليها بشدة حين تأخرت في تطبيق ضريبة القيمة المضافة، رغم أن الأخيرة هي ضريبة تراجعية يتحملها المستهلك الذي لا يحقق أي أرباح.

رابط دائم