لا يخلو زمن من دعاة يطلبون الدنيا بالدين، ويتكسبون من علم لا يتجاوز حناجرهم، وهؤلاء آفة الإسلام وإن كانوا يتزيون بزيه، ينقضون عهد الله، ويشترون بآياته ثمنًا قليلًا، يبيعون آخرتهم بدنيا غيرهم؛ فويل لهم مما يكسبون.

ولقد ذمّ القرآن الكريم هؤلاء القوم فى بضع آيات من سوره؛ البقرة: 79، آل عمران: 77، 187، 199، النحل: 95، التوبة: 9 شدت جميعها النكير عليهم، وبشرتهم بألا خلاق لهم فى الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ ذلك بأنهم يدّعون أن ما يقولون هو من عند الله، وما هو عند الله؛ لينالوا شيئًا من الدنيا؛ رغم أن الله قد أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا الحق للناس ولا يكتمونه؛ فنبذوه وراء ظهورهم وقد صدوا عن سبيل الله، إنهم ساء ما كانوا يعملون.

وغالب هذه الفئة من علماء السلاطين الفسدة؛ فهم يفسدون بفسادهم، ويفسقون بفسقهم، يحللون لهم الحرام، ويحرمون الحلال، ويروجون بضاعتهم الكاسدة، ويسوقون الناس إلى طاعتهم وعدم عصيانهم. أعينهم ناظرة دومًا إلى ما يريد الحاكم، فتأتى فتاواهم مع ما يريد هو وليس مع ما يريد الله ورسوله؛ فهم لذلك يدلسون ويتهتكون ويقولون على الله الكذب؛ مستغلين انجذاب العوام لهم، واستنانهم بهم؛ ولظهورهم بمظهر الأتقياء الأنقياء، وهم فى حقيقتهم أراذل القوم وأشرّ الناس.

ويعد (فيديو الفراخ) أحدث نموذج لهؤلاء الدعاة؛ دعاة الفتنة حلفاء المجرمين؛ فصاحبه –على مدى سنوات- استطاع جذب الملايين حوله، خصوصًا الشباب، وقد قدم لهم الإسلام بالصورة العصرية التى يرغبونها، وظهر بمظهر القانت المتبتل، الزاهد الورع، ساعده فى ذلك مهارة إلقائية رائعة، وقدرة تمثيلية عالية، مع روحانية كاذبة خادعة. ثم لما جدّ الجد وحيل بينه وبين ما يشتهى وقد خيره القتلة بينهم وبين الحق، اختار الوقوف فى صفهم، فانكشفت يومها سوءته، وظهرت حقيقته، ولم يفلح فى إخفاء ما أراد الله كشفه، ففضحه فى أكثر من مناسبة، ولا يزال يتعرى حتى عرف الناس نيته وغايته.

وهناك نماذج عدة كشفها الانقلاب الدموى منذ 2013 وحتى اليوم؛ لهؤلاء الذين يلبسون زى الوعاظ ويفعلون أفعال الشياطين، استخدمهم الانقلابيون فى دعم باطلهم، وفى تشويه الدين ودعاته وإبعاد الشباب عن علمائه ومشايخه الحقيقيين؛ مثل حزب اللحى الذى جندوه لتبرير القتل وهتك الأعراض، الذين يقولون قال الله وقال الرسول، والله ورسوله بريئان مما يقولون ويفعلون. ومثل ما يزيد على مائة ألف خطيب يعتلون منابر المحروسة يسبحون بحمد الحاكم الظالم، ويمتدحون باطله، ويذمون المصلحين دعاة الإسلام الحقيقيين. ومثلهم شيخ الأزهر الذى خرج فى موكب مع رأس الكنيسة وقائد العسكر لعزل رئيس مسلم منتخب ليولى مكانه من أحال نهار المحروسة ليلًا ونورها ظلامًا.. والأمثلة لا يتسع المقام لذكرها.

إن الداعية الحق هو من يتاجر مع الله، ويجدد نيته مع كل موقف؛ فإن فى ذلك لذكرى لمن وسوست له نفسه أو اتبع هواه. هكذا أُمر العلماء، كما أُمروا أن يستنوا بمن سلف من أهل العلم والصلاح، الذين اعتزوا بدينهم وحفظوا ما ائتمنوا عليه؛ فأعزهم الله وأتتهم الدنيا راغمة، وخضع لهم الحاكم والمحكوم.

والداعية الحق لا يقدم إعلانات دجاج أو عطور، ولا يلوى أعناق النصوص ولا ينتمى بعلاقة لسلطة ظالمة إلا أن يجهر بالحق فى وجهها، ولا يدّعى أن لحوم العلماء مسمومة؛ فإنى عهدت فيمن يرفعون هذا الشعار إنما يرفعونه للحفاظ على مواقعهم ومكتسباتهم ولئلا تضيع تركتهم وسرقاتهم، أما المخلصون فإنهم يحتسبون ما يطالهم من أذى وتقوُّل عند الله، وهو حسبهم ونعم الوكيل.

وإن ما نراه من هؤلاء المرتزقة لا يعنى أن أمة محمد قد خلت من علمائها العاملين الأجلاء؛ أبدًا فإن الخير عميم، وتلك أمة هى خير الأمم؛ والفضلاء حولنا كثُر يبيعون النفس والمال غير مترددين؛ ابتغاء مرضاة الله؛ ليقال لهم كما قيل لصهيب (ربح البيع أبا يحيى)؛ وإن هذا –والله- لهو عز الدنيا وشرف الآخرة، وتلك تجارة لن تبور. أما البوار الحقيقى فعند أولئك الحمقى ذوى النظرة القاصرة، الذين فضلوا حزب الشيطان على حزب الله، فلا عزة ولا كرامة ولا شرف لهم، إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون..

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم