على ما يبدو أن تعامل نظام الانقلاب العسكري مع رؤى وأطروحات جماعة الاخوان المسلمين في الوقت الراهن تسير على طريقة الحزب الوطني المنحل ، والتي كانت ترى في مبادرات الإخوان المسلمين ودعواتهم للحوار الوطني أنها موجهة ضد النظام ورموزه…

فبعد نحو 72 ساعة من طرح جماعة الإخوان المسلمين لدعوتهم الأولى منذ الانقلاب العسكري، بشكل رسمي، وبخطوات وبرنامج عملي، لخارطة طريق تخرج مصر من النفق المظلم، تحت عنوان: “تعالوا إلى كلمة سواء وطن واحد لشعب واحد”، ساد الصمت فى الأوساط المقربة من النظام القائم، على عكس ما كان يجري إزاء مبادرات عدة طرحتها بعض القيادات الوطنية، والتي تسارعت وتيرة الانتقادات لها عبر الأذرع الإعلامية، لدرجة وصفت السفير معصوم مرزوق بأنه بوق للإخوان، والبرادعي بأنه بات خلية نائمة للإخوان…وغيرهم من قيادات العمل الوطني كالأشعل وحسن نافعة وغيرهم، والذين حركت ضدهم دعوات قضائية…

ويرفض مؤيدو النظام الحالي عادة فكرة مبادرات لحل ما يراه معارضون «أزمة سياسية»، مؤكدين أن البلاد مستقرة وتحارب الإرهاب ولا تقبل المصالحة مع الإخوان، مستنكرين عادة الدعوة لانتخابات رئاسية جديدة في وجود “رئيس حالي” للبلاد.

وتأتي دعوة الإخوان المسلمين للحوار الوطني الشامل في توقيت بالغ الأهمية، مثل في حد ذاته رسالة ، كونه جاء قبل ساعات من الذكرى الخامسة لمجزرتي رابعة والنهضة، وهو ما اعتبره المراقبون قدرة كبيرة من قبل الجماعة على ضبط النفس، تحمل في طياتها أنها ليست مسئولة عن مطالبة القتلة بحقوق المقتولين، بل الأمر الأخير يرجع إلى أولياء الدم..

ولعل دعوة الإخوان قد تكون هي الأقدر على تحريك الراكد في داحل المجتمع المصري، كونها نابعة من طرف الأزمة الآخر، وهو ما قد يفسر صمت إعلام نظام السيسي عن شن حملاته المعتادة ضدها، حتى كتابة هذه السطور.

مواجهة التحديات

وفي تقدير استراتيجي ، تعد دعوة الإخوان الأكثر صعوبة على بناء الجماعة الداخلي ، حيث قد تثير كثيرا من الاختلافات داخل صفوف الجماعة، وهو ما قد يفسر حديث الأمين العام للجماعة د.محمود حسين، خلال فعالية الذكرى الخامسة لمجزرة رابعة باسطنبول، أول أمس الثلاثاء، والتي شدد خلالها على ضرورة القصاص من القتلة والمتورطين في دماء المصريين في الشوارع والميادين..

كما تبرز قدرة الإخوان المسلمين على مواجهة التحديات في طرح مبادرتهم، عقب يومين من إصدار قضاء السيسي حكما جديدا بالمؤبد على المرشد العام للإخوان محمد بديع وأربعة قيادين آخرين في الجماعة، وقبلهم 75 آخرين في قضية رابعة. وتأتي قدرة الإخوان على مواجهة التحديات كذلك في طرح مبادرة من أجل الخروج من الأزمة السياسية، التي تعتبر هي أحد اطرافها..

والمبادرة في كل ما احتوته من رؤى وطنية تعد الاقرب للواقع السياسي، وتفتح الطريق فعليا أمام الحلول السياسية، والتي لا تحقق لطرف الدرجات الكاملة، ولا تمنخ طرفا آخر درجة الصفر.

تقريب المسافات

وهو ما شدد عليه رئيس حزب غد الثورة د.أيمن نور في تصريح لموقع “عربي 21” ، الثلاثاء، مؤكدا أن البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين، يعد خطوة مهمة ومستحقة نحو تقريب المسافات ووجهات النظر بين كافة أطراف الجماعة الوطنية المصرية.

وذلك “تأكيدا على يقين وفهم كافة أطياف القوى السياسية المصرية أنه لا سبيل للتغيير السلمي وإسقاط النظام المستبد إلا بتوحيد الصفوف، وتوسيع المشتركات، وتحجيم نقاط الخلاف عبر حوار وطني موسع بين الجميع لا يستثني ولا يستبعد أي أحد”.

وأوضح “نور” أن بيان الإخوان جسّد عددا من النقاط التي يتم التعامل معها بروح جديدة ومختلفة استجابة للعديد من المبادرات والمقترحات التي شهدتها الساحة السياسية المصرية في الداخل والخارج خلال الفترة الأخيرة.

وقال: “أهم هذه المستجدات هي حديث الجماعة بشكل واضح عن تفعيل فكرة العقد المجتمعي الجديد، وأهمية أن يصدر هذا العقد عبر توافق وطني واسع وحوار مباشر بين مختلف أطياف الجماعة الوطنية”.

وأشار “نور” إلى “طرح مسالة عودة مرسي – ولو ظلت مسألة خلافية – إلا أن بيان الإخوان تعرض لها بصيغة مفتوحة تسمح بالحوار والبناء على هذه الصيغة، حيث أشار إلى عودة مرسي في إطار حكومة ائتلافية يتم التوافق عليها ولمدة محددة دون الإشارة لصياغات سابقة حول العودة إلى يوم 30 يونيو”.

وثمن “الصياغات المرنة الواردة في بيان الإخوان ، باعتبارها “خطوات هامة نحو التوافق المنشود والمأمول بين إرادات تبدو متعارضة أحيانا ومعطلة للتوافق في الكثير من الأحيان”، مشيدا بتأكيد الجماعة أن “المصدر الوحيد للشرعية هو الشعب المصري الذي يمنحها لمن يشاء ويمنعها عن ما يشاء”.

واستطرد نور قائلا: “من بين النقاط الهامة أيضا التي تعرض لها البيان هي: الإحالة إلى مبادئ العدالة الانتقالية وإلى المحاكمات عبر هيئات قضائية مستقلة متوافق عليها بين القوى الوطنية” مشيرا إلى أهمية الفقرة التي تحدثت عن ضرورة “مراجعة النفس، وأنها واجب كل جماعة وفصيل وحق للوطن على الجميع، واعتبار أن هذه المراجعة هي نقطة الانطلاق لتصحيح كل ما سبق من تشوهات في جسد وصورة الجماعة الوطنية”.

حوار شامل

وأردف: “من أهم الفقرات التي توقفت أمامها في البيان، الفقرة الأخيرة التي تحدثت عن أهمية التعايش تحت سماء وطن يتسع للجميع وتحت مظلة القانون والدستور، والدعوة بصورة صريحة وواضحة لحوار شامل يسمح بتحقيق الكثير مما ورد في هذا البيان بهدف استعادة اللحمة الوطنية والانطلاق نحو وطن واحد لشعب واحد”.

وأثنى على اعتبار الإخوان أن “المواطنة هي القاعدة الصلبة لبناء الدولة المدنية الحديثة، وأن أحدا لا يحتكر الوطنية أو يرى نفسه بديلا عن الشعب أو ممثلا وحيدا له، فالوطن بالفعل يسع الجميع، وبالفعل يحتاج للجميع دون تفرقة بين أي مصري وآخر”…وهي ما تعد رسالة طمأنة للأقباط شركاء الوطن..

وأبرز نور ما تم تأكيده ببيان الإخوان، من معاني ، في مقدمتها؛ التمسك بالسلمية دون غيرها، والتأكيد أنها السبيل الوحيد للتغيير والإصلاح في مصر، وكذلك الحديث عن احترام مؤسسات الدولة ومن بينها المؤسسة العسكرية الوطنية وغيرها من المؤسسات”.

واعتبر أن بيان الإخوان يساهم في نشر روح الاطمئنان ليس فقط لدى القوى السياسية، لكن لدى المواطن المصري الذي بات يخشى من أي تغيير بفعل ترهيب السيسي وإعلامه من أن التغيير أصبح الآن مرادفا لهدم الدولة ومؤسساتها، ويأتي بيان الإخوان ليتحدث بصورة أكثر وضوحا وأكثر تطمينا للعديد من الشركاء في الحياة السياسية، وتطمينا لمؤسسات الدولة، وقطاعات من المواطنين المتخوفين من فكرة التغيير”…

كلمة سواء

وجاءت المبادرة في بيان أصدرته الجماعة مساء الاثنين الماضى تحت عنوان “تعالوا إلى كلمة سواء وطن واحد لشعب واحد”، وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة لفض اعتصامي ميداني النهضة ورابعة..

وتضمنت أبرز البنود العشرة، الاحتفاء بثورة يناير 2011، والتأكيد على أن الجماعة فصيل وطني، وأن السلمية خيار التنظيم في التغيير والحفاظ على مؤسسات الدولة. كما تضمنت اعتبار الشعب المصدر الوحيد للشرعية، ورفض مناخ الاستقطاب، والتأكيد على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم وأهمية تحقيق العدالة الناجزة. وقالت إن «أفضل طريق للخروج من هذا النفق المظلم هو عودة الرئيس مرسي لسدة الحكم على رأس حكومة ائتلافية يتم التوافق عليها من القوى الوطنية لمدة محددة وكافية، يتم خلالها تهيئة البلاد لإجراء انتخابات حرة نزيهة تشرف عليها هيئة قضائية مستقلة، تتوافق عليها القوى الوطنية دون إقصاء لأحد». وختمت الجماعة البيان قائلة: «ندعو إلى حوار وطني مجتمعي شامل في مناخ صحي يسمح بتحقيق البنود السابقة، حتى يمكن استعادة اللُّحمة الوطنية والانطلاق نحو وطن واحد لشعب واحد».

موقف السيسي

على الجانب الآخر ، ورغم عدم الإشارة لمبادرة الجماعة التي تلقتها الأوساط الوطنية بارتياح ، لم تبد السلطات الحاكمة أية ردود أفعال إزاء الطرح السياسي، الذي يعبر عن رؤية الجماعة لمستقبل الأوضاع في البلاد، إلا أنه في أواخر يوليو الماضي، جدَّد عبدالفتاح السيسي رفضه المصالحة قائلاً في خطاب متلفز: «نجابه الإرهاب بلا هوادة، دون أن نلجأ للمصالحات؛ حمايةً للدولة والدين». ومنذ الانقلاب على الرئيس مرسي المسجون حالياً، تعاني مصر أزمة سياسية لم تفلح في إنهائها مبادرات محلية وغربية..

ورغم تلك المواقف السابقة، إلا أنه لا ثابت في السياسة، والتي في مجملها لعبة الخسائر والمكاسب، وهو يعطي الخطوة التي قدمتها جماعة الإخوان فرصة لأن ينبني عليها لاحقا تحركات أو تغيرات ما في المشهد. وهي أول خطوة جادة من الجماعة للالتقاء على أرضية مشتركة بين الجميع بعيدا عن الخلافات الأيديولوجية أو انقسامات الماضي.

كما يعيد بيان الإخوان بعضا من الثقة التي هدمتها التجاذبات والمعارك السياسية المندلعة منذ الانقلاب العسكري، وإن كانت الجماعة أكدت عليه في بيانات عدة سابقا- حيث أكد البيان حرص الجماعة “المتين على الدولة ومؤسساتها التي هي ملك للشعب المصري وحده، ومن بينها المؤسسة العسكرية الوطنية (وهنا للمرة الأولى تصف الإخوان المؤسسة العسكرية بـ “الوطنية” منذ الانقلاب)، ما يعد تغيرا جذريا في رؤية وموقف الإخوان من المؤسسة العسكرية التي تعد الطرف الرئيسي في الأزمة، والتي ترتبط الإخوان بخلافات وصراعات تاريخية معها، وإن كانت الجماعة تقول سابقا إنها تفرق بين قادة الجيش والمؤسسة العسكرية كمؤسسة.

مجرد أرقام

ويأتي خطاب الإخوان “الجديد” بشان المؤسسة العسكرية باعتباره حريصا على تماسكها ووحدتها واحترافيتها، مؤكدا أنها “إحدى مؤسسات الدولة المهمة التي يتكون قوامها من أبناء المجتمع المصري كافة ومن كل أطيافه عامة، وأنهم (الإخوان) حريصون على استمرارها في أداء مهامها التي ينص عليها الدستور والقانون؛ في حماية حدود الوطن وأمنه القومي والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه؛ ما يقتضي إيقاف توغلها في الحياة السياسية والاقتصادية، وهو ما ألقى عليها مهمة غير مهمتها، وهي إدارة شؤون الحكم في البلاد، كما يحتم عليها التحول إلى مؤسسة احترافية بعيدة عن تجاذبات السياسة ومصالح رأس المال والاقتصاد”.

ورغم استثناء الشعب المصري من المعادلة السياسية، منذ 3 يوليو 2013، كونه لا يمثل للنظام القائم سوى مجرد أرقام أو عدد من الأفراد يجري تصويرهم أمام اللجان الانتخابية للخداع فقط، أو مجرد أصوات مؤيدة من يتضرر منهم من مجريات الواقع يجري القائه في غيابة السجون، بتهم معلبة، أعادت مبادرة الإخوان الأهمية والقيمة الحقيقية للشعب المصري، كونه هو المصدر (الوحيد) للشرعية، يمنحها لمن يشاء، وهو ما يعد إشارة من الجماعة بقبول الاحتكام إلى الشعب مرة أخرى باعتباره مصدرا أصيلا ووحيدا للشرعية وليس شيئا آخر.

رسالة مهمة

وعلى أية حال، تبقى مبادرة الاخوان رسالة مهمة للقوى السياسية أولا للتحاور والتوحد في اصطفاف سياسي لتجاوز أزمة ممصر، ثم الانتقال للمرحلة التالية، سواء كان الحديث والتحاور مع جبهة وكنية والنظام القائم…

إلا أنه يبقى التأكيد على أن تجاوز الجراحات الماضية ينبغي تقديم تصورات واضحة عن حقيقة الأزمة وواقعها ومستقبلها، وقراءة التحديات التي تواجه كل طرف من أطراف الازمة السياسية..بجانب قراءة المشهد المحلي جيدا ثم الواقع الإقليمي، وما يتصاعد فيه من مشاهد مأزومة ، سواء في الأزمة الخليجية الخليجية، ومحاولات تمرير صفقة القرن ووقوف حماس في مواجهتها رغم استراتيجيات تسمين غزة الدائرة حاليا، بجانب التحديات التي تواجه مصر في ملف سد النهضة وأزمة الديون المتفاقمة ، أو غيرها من الأزمات ….قد تكون أقلقت المؤسسة العسكرية، وضغطت لتفكيك بعض الأزمات الداخلية التي تشهدها البلاد، في ضوء هجرة الاستثمارات الأجنبية من مصر وكذا هجرة العقول والكفاءات الوطنية وتحول البلاد لبيئة طاردة للكفاءات….

وتبقى الأيام المقبلة محملة بمستجدات وضغوطات ووساطات أو حملات مضادة أو تصعيد متبادل وغيرها من الخيارات المستقبلية.

رابط دائم