جاء قرار النائب العام لنظام العسكر بإحالة مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة على خلفية قراره بحظر النشر في أزمة مستشفى الأطفال “57357” ليثير العديد من علامات الاستفهام والتساؤلات حول أسباب القرار رغم ما يتمتع به مكرم من نفوذ وظهير أمني لا يخفى على أحد.

القريبون من دوائر مكرم محمد أحمد يتحدثون عن أزمة مركبة للرجل. ويؤكد أحد الصحافيين المطلعين بصحيفة الأهرام، الذي رفض التصريح باسمه، أن مكرم تربطه علاقة وطيدة بالأجهزة الأمنية وهذا معلوم عنه، وروى أكثر من رواية تبرهن ذلك. ويجزم الصحفي الكبير بأن تحرك مكرم هذا وتخطيه سلطات النائب العام لا يمثل طبيعته التي يعلمها جيداً. «فإما أن الرجل بلغ من الكبر عتياً وأصبح غير قادر على وزن الأمور، أو أن صداقته بطارق نور دفعته دفعاً لمجاملة المستشفى، وحماية القائمين عليه، فتحرك هذا التحرك الغريب، الذي لم يكن من الممكن أن يسمح به النائب العام حتى لا تكون سابقة ومبدأ لكل مَن يخلُف مكرم في منصبه»، على حد تعبير الصحافي. وسواء كان ذلك بفعل السن أو المجاملة، فالمؤكد أن ثعلب الصحافة العجوز أساء إلى اسمه وتاريخه، وسمح للسلطة القضائية بأن تعطيه (وهو من شيوخ المهنة) درساً في أصول الصحافة، ودورها في حماية الحريات وكشف الحقائق.

بعض التقارير تشير إلى أن قرار النائب العام يقف وراء صراع بين الأجهزة، وسط تكهنات تشير إلى أن النظام بدأ التخلي عن مكرم بعدما أثار كثيرا من الجدل على خلفية تصريحاته ومواقفه الأخيرة.

وكانت بداية الأزمة مع الصحفي أسامة داود الذي شن حملة منظمة عبر صحيفة “فيتو” على المستشفى مستندا إلى وثائق ومستندات تكشف عن فساد ضخم بالأرقام، لكن كاتب السيناريست وحيد حامد تلقف القضية وراح يتابع الحملة عبر سلسلة مقالات في صحيفة المصري اليوم.

حملة وحيد حامد طالب شريف أبو النجا الذي حول المستشفى إلى عزبة خاصة به وأسرته ومقربيه، ثم امتدت لتشمل طارق نور، صاحب إحدى أهم شركات الدعاية والإعلان في مصر، ومالك محطة القاهرة والناس. كما شملت الحملة الإعلامي محمد فتحي، الذي انبرى للدفاع عن المستشفى، قبل أن يكشف وحيد حامد عن تقاضي الرجل 5 ملايين جنيه نظير كتابة مسلسل شارك في إنتاجه المستشفى.

دور الأجهزة الأمنية

لكن السؤال الاكثر إلحاحا، لماذا بدأ وحيد حامد حملته في هذا التوقيت؟ وهل يمكن أن يشن مثل هذه الحملة دون ظهير من أجهزة الدولة؟

ووفقا لموقع “عربي بوست”، فإن أحد رؤساء التحرير المعروف عنه قربه من دوائر السلطة، تحدَّث شريطة عدم ذكر اسمه، قائلاً إن وحيد حامد لا يمكنه أن يتحرك من نفسه، خصوصاً أن «شريف أبوالنجا ليس من السهل الهجوم عليه دون وجود ظهر لك». وأضاف: «معلوماتي أن حامد تحرَّك بناء على تعليمات (كررها مرتين) من المخابرات، ومعلوماتي أيضاً أن الأجهزة السيادية بدأت تتململ من كمّ الأموال التي يجمعها ذلك المستشفى، ومَن على شاكلته، دون رقيب أو حسيب».

وأوضح أن الأمن المصري لا يسمح لأحد بفتح قنوات اتصال مالية ضخمة مع الناس -يقصد التبرعات- دون أن يتم ذلك بمعرفتها «وهو ما تناساه شريف أبوالنجا مع مرور الوقت»، على حد تعبيره. وقال إن أبوالنجا وصل من الثروة والنفوذ ما يجعله يتوقف عن أن يعير الضباط الجدد اهتمامه «لا أعتقد أن الهدف هو تصفية 57357 أو تدميرها لصالح مشروعات الجنرال السيسي الخيرية، كـ»مصر الخير» وغيرها، كما يقول البعض، لا أعتقد هذا، أميل أكثر إلى أن الموضوع أمني من الأساس، وأن الجنرالات الحاليين لا يقبلون بوجود تدفق مالي بعيداً عن مجراهم».

تمهيد لسطو الجنرال على أموال التبرعات

وبحسب التقرير فإن شهادة الرجل تتقاطع مع تصريحات أبوبكر خلاف، المنسق العام للمرصد العربي لحرية الإعلام، الذي يرى أن الموضوع أثير ليمهد الطريق أمام السيسي للسيطرة على موارد هذه المؤسسات، والإفادة من أموال التبرعات المقدمة لها، وربما لاحقاً تُضم تلك التبرعات إلى صندوق «تحيا مصر». نعم هناك تباين بين الرأيين أيضاً، فالأول يرى أن الهدف هو إخضاع المستشفى فحسب، في حين يرى الثاني أن الهدف هو الاستحواذ عليه، لكن أياً كانت حقيقة النوايا، فالمتفق عليه بين الرجلين المطلعين على طبيعة المشهد الإعلامي المصري، أن الأجهزة السيادية وراء تلك الحملة، وإن تباينت تفسيراتهم لذلك بين التأميم والاخضاع التام.

رابط دائم