تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي رسالة نشرها الدكتور صلاح سلطان الأستاذ بكلية دار العلوم إلى زوجته.

الرسالة عنونها الدكتور “سلطان” بـ “في صحن الكعبة”، وخاطب فيها زوجته، في باقة عطرة من المشاعر والأحاسيس الجياشة التي لا تعتبر غريبة على “سلطان”. مازجا بين حب زوجته وحب الدين والوطن.

ويقول الدكتور صلاح سلطان الذي يقبع في سجون الانقلاب منذ نحو 5 سنوات:

هل تأذنين لي حبيبتي أسماء أن آخذ يدك في يدي، وأن ننزل معاً من فندق المروة إلى صحن الكعبة، وأن تشبعي قلبي من نظري إلى أنوار وجهك، وبهاء طلعتك، وأن أدفئ صدري من معين حبك، وأن أشنف أذنك، وأمتِّع قلبك بالحديث عن حبيب قريب مجيب ودود رحيم، جمع قلبينا، وألف بينهما، وأسعدنا بحياة رغدة أعلى وأغلى عنوان لها هو “صفاء ونقاء الحب بيننا” “وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، آه يا أسماء لو تعرفين بعض غرس ربي في قلبي لك، وشوقي أن أمسح على رأسك رحمة بك، وحنيناً إليك، وشعوراً بك، دعينا يا أسماء بسرعة ندلف بين الزحام معاً إلى المسجد الحرام، من أوسع أبوابه “باب الملك عبد العزيز” اخلعي نعليك إنك بالمسجد الحرام الآن، نحن في أشرف وأرقى البقاع لأنها أكثر الأرض التي يقال فيها لفظ واحد هو:”يا الله”، لو سمحت لا داعي كل مرة على باب المسجد الحرام أن نتشاجر: من يحمل كيس الأحذية؟ولا داعي للحلف، خلاص هذه المرة سأسعد بحذاء تنعم وتشرف بملامسة قدميك الشريفتين اللتين لم تتحرك إلا إلى الخير وفي البر، فماذا عليَّ لو حملت حذاءك بجوار حذائي، ألا تعلمين أن حذائي يحب حذاءك، كما قال الشاعر:وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري

استسلمت أسماء كعادتها المسالمة، فهي لا تملك مقاومة ليس إلى طلب حبيبها، بل إلى إشارته، تأسّفت وهي تضع حذاءها في “كيس بلاستيك” الذي يمسك زوجها بأطرافه، وتجاورا وتقاربا في لحظات نادرة شعر كلٌّ أن قلبيهما قد اختطفا فجأة لمهابة الكعبة التي بدت وكأنها مركز الأنوار القدسية، منها تخرج أشعة الهداية والرشاد وكأنهما أرادا أن ينغمسا معا في حب الله تعالى، وأن يرتويا معاً من عيون ماء زمزم التي تفجرت مع قصة حب الخليل إبراهيم وزوجته هاجر، وتركها حول الكعبة حيث لا زرع ولا ضرع، ولا قريب ولا أنيس، تحمل طفلها إسماعيل فأراد ربهما أن يخلو قلبها وزوجها إلا من الله، توكلاً عليه، حباً فيه، وحنيناً إليه، فسعت بين الصفا والمروة، وهي ترقب طفلها فتفجر الخير تحت قدميه “ماء زمزم لما شرب له”، نظر صلاح وأسماء إلى الكعبة، وتوقفا عندما اكتملت صورة الكعبة بكل بهائها وشموخها ونورها وقداستها يطوف حولها ملائكة الأرض والسماء ضارعين خاشعين، تجأر قلوبهم قبل ألسنتهم بالثناء والدعاء، والخوف والرجاء، والتضرع والسؤال، فإذا بعيونهما تغرورقان، وأجسادهما يلبيان، وصدرهما ينشرحان في لحظة واحدة، وصدع صلاح بالدعاء:اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة، وزد من شرّفه ممن حجّه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وأسماء معه تؤمن بلسان قلبها، وصوتها الخاشع يصنع فعل السحر في قلب صلاح، كأن هناك وتراً في النفس يحتاج إلى أن تعزف عليه الزوجة وهو وتر الخشوع، والخضوع لله فيشجي في القلب، ويحفظ في ثنايا الضمير رصيداً لا يصنعه غيره، وكذا عند الزوجة. شعر صلاح بسعادة قرب أنفاس التضرع منه لأسماء، ومنها إليه، لكنه لم يسترسل مع هذه المشاعر مع نبلها، كي يحفظ لمشاعره المتدفقة نحو رب الكعبة الذي حرّمها وشرّفها، وجعل أفئدة الناس تهوي إليها، ونزلا معاً إلى صحن الكعبة، وكأن شعوراً حقيقياً يغمر قلبيهما، الآن نحن في أغنى لحظة في الدنيا والآخرة، والتقت عيناهما في لحظة صامتة ناطقة أنا أغنى بك في الدنيا من أهل الأرض جميعاً، وهو المعنى الذي نطقت به عينها، أما الآخرة فهذه أشرف البقاع، وأول بيت وضع للناس، وتشرف به كل الأنبياء والعلماء والأولياء والصالحون، نحن معاً في مركز النور الإلهي إلى الأرض كلها، فهذا أكبر غنائم الدار الآخرة، ها هنا تسكب العبرات شكراً لله أن أمر إبراهيم” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ” ولما استغرب كيف يصل صوتي أجابه ربه: إن موازين البث الأرضي غيرها في البث الإلهي “أذّن وعلينا البلاغ” إذَنْ يا أسماء أنا وأنت من المحظوظين دنيا وآخرة، لقد ذكر سيدنا إبراهيم أسماءنا في آذانه، والآن نحن هنا بعد آلاف السنين، قلوبنا تكاد تقفز من قفصها الصدري شكراً وامتناناً للرحمن، وخوفاً وفرقاً مما كان، أملاً ورغبة في إصلاح وتحسين سيرنا إلى الله تعالى، وجاءت مجموعة متجانسة شكلاً وإشارة متماسكة تكاد تجرف من يعطل طوافها، أمسك صلاح بذراع أسماء يجذبها نحوه حماية لها من هذا الطوفان، ونظرت إلى هذا الجمع الهادر وتردد في عينها حالة الخوف أن يفرق هذا الجمع بينها وبين دفء زوجها وحنانه وعطفه عليها، فتطوف وحدها أو تخرج تنتظره في مكان اتفقا عليه عند سلالم الإذاعة الكبيرة، واطمأنت بهذه الجذبة القوية الحانية واستعادت أسماء مشاعرها الإيمانية، مع الطواف بجوار زوجها الذي يحوطها بقلبه قبل ذراعيه، وانخرطا معاً في أمواج الطائفين، يرفعان أيديهما معاً تحية إلى الحجر الأسود، وهذا يمين الله في أرضه، فانهمرت دمعة شوق لدى صلاح أن يعجل الله مجيئه إلى ربه كي يكون مع زوجته وأولاده وطلابه وأحبابه في الصفوف الأولى من النظر إلى وجه الله الكريم، ودار في نفسه حديث داخلي هل تكون هذه اللحظة هنا في أشرف البقاع فتلقى الله هنا ويصلي عليك ملايين الطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، لكنه وجد لسانه يعلو بالدعاء: اللهم إني قد صليت هنا في المسجد الحرام والنبوي مئات بل آلاف المرات على موتى المسلمين لكني رجوتك بل توسلت إليك أن تجعل لقائي بك على أبواب المسجد الأقصى شهيداً عند تحريره من الصهاينة المحتلين فأجب سؤالي، وارحم ضعفي، واجعل ذلك غير بعيد فإنه قد طال شوقي إليك فعجل مجيئي إليك، وهنا قطع هذا التضرع صوت متقطع بنبرات البكاء من أسماء قائلة: سامحك الله يا صلاح، ما طيب العيش بعدك، أسأل الله أن تكون صلاح هذه الأمة، ومحرر أقصاها وقدسها، وأرجو أن يقبل الدعاء؛ دعائي ودعاء أمك الحاجة التي كانت تقول: لقد وهبت صلاح للأقصى وسميته صلاح الدين على أمل أن يكون مثل صلاح الدين الأيوبي، فأجابها صلاح بدعوة عند باب الملتزم وهو باب الكعبة: يارب، يارب، يارب اللهم كما مزجتَ بين أرواحنا وعقولنا وأجسادنا في الحلال الطيب، امزج بين دمائنا في الجهاد الواجب تحريراً لثالث الحرمين وأولى القبلتين، ولا تطل بنا الانتظار لرشف لقائك، فامتلأ وجه أسماء بإشراقة وجهها الذي جمع بين بكاء عينها وابتسامة فمها، مثل السماء عندما تمطر سخية مع شروق ووهج شمسها، ووصل بهم السير إلى حجر إسماعيل فأشار صلاح على أسماء أن ندخل حجر إسماعيل لنكون معاً داخل الكعبة مع صحنها نأخذ عهداً وميثاقاً معاً فرحبت أسماء وسبقته إلى الدخول بجانبها لتتفادى من حولها من المتسابقين إلى حجر إسماعيل، وصليا ركعتين، ثم مد صلاح يده إلى السماء قائلاً: لقد سألنا الله أمراً جللاً ونريد أن نعاهده هنا في اًدق لحظات حياتنا في صحن الكعبة، بل داخلها فقالت أسماء أنا معك إلى آخر لحظة في حياتي في كل ما يرضي ربي الودود، ثم ما يرضي زوجي الحبيب، فصعّد صلاح نظره إلى وجهها كي يستمد منه قبساً من النور الذي يكسوه، ويمنحها من عينه رسالة صامتة من فيض حبه وفخره بها، وعاد سريعاً إلى ما دخلا من أجله من صحن الكعبة إلى جوفها فوضع يده في يدها فقال: نعاهدك ربنا عهداً لا حنث فيه ولا نكث معه أن نبذل قصارى جهدنا ابتغاء وجهك في إعداد أمتنا لنكون أهلاً لتأييدك ونصرك تحريراً للمسجد الأقصى، واجعل ياربنا الودود جائزتنا شهادة معاً على أبواب الأقصى تغفر بها ذنوبنا، وتضاعف بها حسناتنا وترفع بها درجاتنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتجعلنا معاً من أهل هذه الآية “هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴿٥٦﴾ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾ سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ﴿٥٨﴾” وهنا امتزج تأمين أسماء مع دموعها الثرية على وجهها، وأضافت وأولادنا معنا، فاستدرك صلاح قائلاً: بل والدينا أولاً ثم أولادنا ثم أساتذتنا وطلابنا وإخواننا وأخواتنا فعاد للدعاء:اللهم يا من وسعت رحمته كل شيء اجعل ذلك الفضل لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وأبنائنا وبناتنا وأساتذتنا وطلابنا، وإخواننا وأخواتنا، وكل من أحبنا فيك أو أحببناه فيك يا ربنا، وكل من أحسن إلينا ابتغاء وجهك يا ربنا” وقطع استرسال الدعاء قول المطوف: اعطوا الفرصة لغيركم، الحرم واسع، وتردد صلاح أما يبقى قليلاً، يكمل دعاءه وتبتله، لكن رغبته في إيثار آلاف المسلمين الراغبين مثله في لحظات في داخل حجر إسماعيل، فهتف بزوجته أسماء هيا حبيبتي نكمل سيرنا إلى ربنا، وخرجا معاً، فمنعا من الخروج من حيث دخلا، فخرجا من الناحية الأخرى، فقال صلاح لأسماء هذا الشوط غير محسوب إذن لأنه لم يكن حول الكعبة، بل من داخل الكعبة لأننا دخلنا من حجر إسماعيل، وغلب علينا التعاهد لأجل الأقصى قبل إكمال الأشواط، فقالت أسماء: أنت أستاذي وشيخي، وطول عمرك: كل شيء لفلسطين والقدس يسبق كل أعمالك، وربنا يتقبل منا ومنك، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، ومرا على الركن اليماني واستلماه بأيمانهما مع التكبير، وبين الركن اليماني والحجر الأسود كان الدعاء المسنون:ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وقال لأسماء: أنت حسنتي في الدنيا وأسأل الله أن تكوني حسنتي في الآخرة، فابتسمت أسماء فقالت: أين سأكون منك في الجنة وحولك الحور العين، فقال لها: إن أكرمني الله بذلك فستكوني بالطبع سيدة القصر الأولى، والأقرب لأنك الأسبق في الاستقرار والاستواء على عرش قلبي، ووصلا إلى الحجر الأسود فقال صلاح لزوجته، فلنجدد نية بدء الطواف من جديد وطافا معاً في سير على أرض المسجد الحرام حول الكعبة الشريفة، وكأنهما يطوفان في السماء الرابعة مع الملائكة حول البيت المعمور، أو حول العرش وكأنهما بأذان قلوبهما يسمعان هذه الملائكة تدعو لهما ولآبائهما وأمهاتهما وأولادهما كما قال تعالى:” الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾” لقد شعرا أن هذا الطواف له فيوضاته الخاصة في القلب والوجدان، في العين واللسان، إن أرواحهما اليوم أكثر امتزاجاً وتعانقاً أكثر من أي وقت مضى، إن قلوبهما قد تعلقت بأرقى درجات الحب، إن عقولهما قد تقاربت حتى كادا أن يكونا عقلاً واحداً، إن أمواج المسلمين والمسلمات حولهما أشعرهما قلباً وقالباً بقوله تعالى:” وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” وأحسا بامتداد عواطق الحب في الله لكل مسلم في الأرض من شمالها لجنوبها، ومن شرقها لغربها، من أعلى جبالها إلى أدنى سهولها، من برها لبحرها وجوها وخالجهما شعور بثقل التبعة والمسئولية عن الأمة كلها، كيف ننقلها من أمة أمية إلى أمة “وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ” من أمة تمزقت أيادي سبأ شذر مذر إلى “وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً” من أمة استهلاكية وهي عالة على غيرها إلى أمة منتجة مصدرة لغيرها “وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ”، من أمة ذابت في غيرها إلى أمة شاهدة على العالم كله “وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ”، ومن دين تزاحمه أديان شركية إلى قوله تعالى “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ” فبقدر إحساس صلاح وأسماء بأنهما امتداد لأمة المليار وسبعمائة مليون ينتشرون في كل بقاع الأرض، وتمتد منذ سيدنا آدم إلى قيام الساعة، فقد تضاعف همهم حول إتقاذ هذه الأمة صاحبة المنهج الوحيد الصحيح، والتاريخ الحضاري العريق، والإمكانات الواسعة النادرة، وفي الشوط الأخير تساءلت أسماء: صلاح: من أين الطريق لإصلاح هذا كله؟ فرد عليها صلاح بلغة حادة حازمة: “إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ” و”كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ” و”هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ” و”فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ” و”وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا” فقالت: يا صلاح: أقريب أم بعيد، فرد قائلاً:” قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا”، يا أسماء حبيبتي: إن موازين عالم الغيب المحدود غير موازين عالم الشهادة الممدود والله تعالى يقول:” وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” كل المطلوب منا هو أن نحقق فينا صبغة وصفات الإيمان ومؤهلات النصر، وسنن الله وقوانينه لا تتغير “فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا” فهزت أسماء رأسها موافقة وقالت بكل ثقة:آمنت بالله.

وانتهت الأشواط السبعة بهذا الحوار والدعاء والأمل وهي تمسك بذراعه الأيمن، وهي تشعر أنها أسعد أهل الأرض فماذا بعد أن تكون الكعبة عن يسارك، وزوجتك قرة عينك عن يمينك، ورجلك تلمس أرضاً شريفة تقدست ببركات الله، وتنعمت بطواف النبيين والمرسلين، واعتكاف الصالحين والصالحات عبر السنين والقرون، وتحفها الملائكة، وتغشاها الرحمات، وتعمها المغفرة، وينال كل صادق دخل إلى رحاب المسجد الحرام كرم الضيافة من الرحمن “ما في أكرم من الرحمن”، وتحول صلاح وأسماء من الطواف إلى ما وراء مقام سيدنا إبراهيم، وصليا ركعتين، “وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى” واتجها معاً إلى ماء زمزم، وسارع صلاح بملء كوب ومده إلى زوجته أسماء، ومدت يده كي تتناوله منه لكنه أمسك بالكوب، وقال:لا تنسي فضيلة هذا الماء،”ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”، تذكري أن هذا كان ثمرة حب إبراهيم لهاجر، وحبها له، ورضاهما بأمر الله وسعيها جلباً لرزق تغذي به ولدها مع يقينها في ربها، وهكذا يجب أن نكون معاً كي يكون لنا ماء زمزم “ماء زمزم لما شرب له” وتلهفت أن تشرب لكنه قال: بما ستدعين الآن عسى أن يجيبك ربك سبحانه فقالت: أنا تلميذتك أرشدني، فقال صلاح: لتكن أول دعوة هي أن يكون حب الله ورسوله أكبر مما سواهما وأن يستعملنا الله لطاعته، وأن يجندنا لخدمة دعوته، وأن يظهر بنا دينه، ويطهر بنا ثالث الحرمين من الصهاينة المعتدين، ولا تنسي الدعاء لفلذات أكبادنا وحبات قلوبنا: هناء ومحمد وخالد وعمر وبشرى وأمين وإلياس ولينة ووليد وحماس وحبيبة، قالت:يا أبا هناء آباؤنا وأمهاتنا قبلهم، فقال صلاح: ماشاء الله عليك:

يكفي اللبيب إشارة مكتومة وسواه يدعى بالنداء العالي. فابتسمت ابتسامة انتقل عبيرها إلى وجدان صلاح، وأخذت الكوب من يد صلاح وهو يقول بقي شيء مهم:لا تشربي الكوب كله حتى أشرب وراءك لأظل أجري وراءك، فانفرجت أساريرها وقالت: سأظل أجري وراءك حتى آخر نفس في حياتي، وشربا من كوب واحد، ثم تناولا الثاني والثالث والعاشر حتى تضلعا وتشبعا وشعرا أن ماء زمزم قد ترسب إلى كل شعيرة في أجسادهما، ثم جددا الوضوء من ماء زمزم، يفرغ كلٌّ في يد الآخر هذا الماء المبارك، ثم ذهبا ليصليا ركعتين لسنة الوضوء وطمعا في ثواب المائة ألف ركعة لكل ركعة، ونادى صلاح زوجته أسماء: ما رأيك أن نختار مكاناً استراتيجياً كان يجلس فيه والدنا في الله، وحبيبنا في الله الشيخ أحمد صدقي الأباصيري حيث كان يقضي رمضان كله معكتفا في موضع خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام ليكون نظرنا في لحظة واحدة جامعاً لرؤية الكعبة والحجر الأسود وباب الملتزم ومقام سيدنا إبراهيم وحجر سيدنا إسماعيل، فجلسا معاً بجوار بعضهما وتمنى صلاح أن يطلب من أسماء أن تجلس أمامه لا بجواره، كي ينعم بالنظر إلى وجهها النوراني، لكنه آثر زوجته على نفسه حتى لا يحرمها معه من النظر إلى الكعبة والحجر الأسود وباب الملتزم ومقام سيدنا إبراهيم وحجر إسماعيل، وبدآ معاً في ذكر نعمة الله عليهما الإسلام أولاً ثم نعمة جمع قلبيهما منذ كانا طفلين في السابعة من عمرهما حتى شبَّا وشبَّ حبهما طاهراً عفيفاً، وصابرا واحتملا الكثير حتى منَّ الله لهذا الحب العذري الراقي بالزواج الذي قدر الله أن يبدأ في أرض الله الحرام بالعمرة، ثم العيش لأول مرة في سكن وثير راق في الحمراء بجدة، ثم نعمة الأولاد ثم نعمة أزواج البنين والبنات ثم نعمة الأحفاد، ونعمة حب العلم وأهله، ونعمة حب الناس لنا وحبنا لهم، ونعمة الحركة الدائبة في أرض الله كلها، دعوة إلى الله تعالى، وهنا استوقفت أسماء صلاح وقالت: ما رأيك يا حبيبي وقد علمتني الوفاء أن نجلس الآن لنذكر كل من أحسن إلينا في كل مكان عشنا فيه بدءاً من قريتنا الصغيرة:الغوري ثم في القاهرة حيث الدراسة في الجامعة، ثم في جدة ثلاث سنوات، ثم عودة إلى القاهرة في شارع فيصل بالجيزة تسع سنوات، ثم ثلاث سنوات في سلطنة عمان، ثم تسع سنوات في أمريكا بين وستر-بوسطن، إلى كانسي سيتي- ميزوري، إلى ديترويت، وأخيراً في كولمبس وواشنطن ثم سنوات ست في البحرين، ثم عودة إلى مصر مع تباشير ثورة 25 يناير، ثم منحة الله في سجون الليمان في طرة والعقرب والليمان 440 الصحراوي، وكيف سخر الله من خيرة الصالحين والصالحات من أسدوا إلينا معروفاً لا نستطيع الوفاء به، والآن بعد فرج الله عليك وإخوانك، واجتماعنا في أشرف البقاع وجب الوفاء لهؤلاء بخالص الدعاء، فردَّ صلاح شاكراً متعجباً قائلاً: تعرفي يا أسماء تمام وكمال فضل الله علينا هو توافقنا ليس فقط في تسيير أمور حياتنا، بل في رغباتنا، لقد سبقت إلى اقتراح نفس الأمر الذي كان في نفسي منذ كنت في السجن فقد عاهدت ربي أن أقدم فيضاً من الدعاء في صحن الكعبة لكل من أحسن إلينا يوماً ولو بدعوة صالحة، أو ابتسامة صادقة أو سقانا شربة واحدة أو أطعمنا لقمة واحدة، والأولى من كل هؤلاء صنفان من الناس أساتذتنا الذين علمونا وأخذوا بأيدينا إلى طريق الله، ثم طلابنا النجباء الأتقياء الذين تحملوا منا ما رزقنا الله من علم وتزكية، فصاروا أبناءنا وبناتنا من قلوبنا وعقولنا، وجزءاً من كياننا، وبدأنا مشوار التذكر والدعاء كل واحداً أو واحدة باسمه وأسرته حتى أذن المؤذن بصلاة الفجر، فصليا والتقيا ليقرآ معاً أذكار الصباح، وعادا يستكملان تذكر ذوي الفضل عليهم وعلى أولادهم، والدعاء لهم، حتى أشرقت الشمس عن عابدين في صحن الكعبة، اقتبسا من نور الكعبة، وارتويا من ماء زمزم، وتشبعا من التضرع والدعاء، وتضلعا بالوفاء، وعادا معاً، وفي الطريق إلى فندق المروة قال صلاح:أحسب أنك الآن جائعة فهلا أذنت لي أن أوصلك لأعود لشراء طعام لنا معاً، فقالت: قد شبعت من الحرم وماء زمزم، ولا أريد من الدنيا إلا أن أستريح ساعة بجوارك قبل أن نغادر فنزل هذا منه منزلاً حسناً، فنظر إلى الكعبة من زجاج غرفتهما في الفندق مناجياً “رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ” “إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ”.

 

رابط دائم