تشاء الأقدار أن يتم تنظيم إفطارين يوم الثلاثاء الماضي 05 يونيو 2018م، الأول نظمه جنرال العسكر عبد الفتاح السيسي بأحد أفخم فنادق القاهرة “الماسة”، يضم وزير الدفاع وكبار المسئولين بالنظام العسكري، وشرذمة من الموالين للسلطة من إعلاميين ورجال أعمال وغيرهم، أما الإفطار الثاني فنظمته الحركة المدنية التي تأسست في ديسمبر الماضي من عدة أحزاب، كانت سابقا جزءًا من جبهة الإنقاذ التي دعَّمت تدخل الجيش والإطاحة بالمسار الديمقراطي الذي جاء كإحدى ثمار ثورة 25 يناير.

الإفطار الأول كانت تحرسه الأجهزة الأمنية وعلى مسافة 5 كم من كل جانب، فلا تترك واردة ولا شاردة إلا تعقبتها ولاحقتها، أما الإفطار الثاني فبمجرد تناول العصائر- وفقا لشهود عيان للواقعة ومشاركين في الإفطار- فوجئوا بسيدة ورجل يدخلان النادى ويتعاركان بشدة، ويتبادلان الشتائم المقززة، وما هى إلا لحظات قليلة حتى تبعهم نحو 12 شخصا، أطاحوا بكل شىء أمامهم. أصبحت حديقة النادى أشبه بحلبة مصارعة، الكلمة العليا فيها للكراسى والأطباق الطائرة، الأمر الذى دفع أعضاء الحركة المدنية إلى الفرار سريعًا من المكان، على وقع شتائم من نوعية «خونة، جواسيس، عملاء»، كان يرددها المهاجمون بـ«حماس شديد»!.

الشتائم التى اختتمت بها المعركة ــ وفقا لروايات من حضروا الواقعةــ تستدعى التوقف أمامها بكثير من التأمل، لفهم ما حدث فى هذا المشهد الكارثى، الذى يحمل بلا شك العديد من الرسائل الخطرة التى ينبغى علينا عدم تجاهلها أو التقليل من شأنها ووصفها بأنها مجرد «خناقة بودى جاردات»، وفقا لرواية أمنية شديدة الركاكة والتلفيق تم تعميمها على صحف وفضائيات العسكر.

الرسالة الأولى من النظام لجميع القوى المعارضة: أنه بات لا يقبل بأي صوت معارض أو يخرج عن السرب بعد تأميم الفضاء السياسي والإعلامي، وهيمنة النظام ومؤسساته على كل شيء على المستوى السياسي والإعلامي والاقتصادي. ويدلل على ذلك أن النظام التزم الصمت تجاه ما جرى، معبرا عن رضاه بهذا الصمت الفصيح والمعبر. ودعك من تصريحات الجنرال في خطاب يمين الغموس (مصر تسع الجميع)، فإن المسافة بين أقواله وأفعاله كالمسافة بين الأديب الراحل أحمد توفيق والمذيع السلطوي أحمد موسى.

الرسالة الثانية: أن النظام بات لا يخجل من استخدام وسائل إجرامية شديدة الفجاجة والبلطجة، خصوصا وأن الاعتداء على إفطار الحركة المدنية جاء بعد أيام قليلة من الإفراج عن أكبر بلطجي في مصر صبري نخنوخ بعفو من الجنرال السيسي، ما يؤكد توجهات النظام نحو التوسع في هذه الممارسات الإجرامية بأيدي البلطجية وأرباب السوابق الذين يمثلون أكبر شبكة تشرف عليها أجهزة السيسي، وقد كانوا هم اللهو الخفي الذي أثار الفوضى خلال حكم المجلس العسكري والرئيس المنتخب؛ من أجل استعادة حكم البلاد لصالح العصابة وشبكة المصالح المدعومة دوليا وإقليميا من عواصم مثل واشنطن وتل أبيبب والرياض وأبو ظبي.

الرسالة الثالثة: تلاشي مفهوم الدولة والحكم بالقانون، وتأكيد أن مصر تدار بنظام العصابات وقطاع الطرق، وهي مفاهيم أكدناها مرارًا منذ 03 يوليو 2013، وما مشهد الانقلاب نفسه إلا أكبر تجليات غلبة منطق العصابة على منطق دولة الدستور والقانون، ويؤكد ذلك ما كتبه المهندس يحيى حسين عبد الهادي، المتحدث باسم الحركة المدنية، والذي يصف ما جرى بحروب الجيل الواطي، وأنه لم يكن متحمسًا لعمل محضر في قسم الشرطة؛ لأن الذي سيحرر محضرا سيجد محضرا مضادا في انتظاره؛ على غرار ما حدث مع المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي السابق والمعتقل حاليا في سجون العسكر، وأن النائب العام لنظام العسكر لا يحتاج إلى بلاغ ليأمر بالتحقيق في الحادث الذي صار حديث الدنيا، بحسب وصفه.

الرسالة الرابعة: أن الحادث الإجرامي سوف يبعث لكل مستثمري العالم أن مصر بلد البلطجة ويشيع فيها مناخ الخوف والإرهاب على وقع المذابح ومشاهد البلطجة التي يرعاها النظام بفاشية متسلطة شديدة العناد.

الرسالة الخامسة: الاعتداء على الحركة المدنية يمضي في سياق توجهات النظام السلطوي نحو تحجيم كل من له علاقة بثورة يناير، فهي امتداد ربما أقل وحشية بكثير من مذابح محمد محمود ومجلس الوزراء ورابعة والنهضة وعشرات المذابح التي ارتكبها العسكر وقيدت ضد مجهول، بحسب المتحدث باسم الحركة المدنية حسين عبد الهادي.

رابط دائم