“تلقينا معلومات مؤكدة من أجهزة الأمن، وبعض المواطنين، تفيد بوجود كتب لقيادات جماعة الإخوان المسلمين، مثل حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي وعمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية الأسبق، في عدد من مساجد الجمهورية، لذلك قررت الوزارة مراجعة جميع مكتبات المساجد، وإخراج هذه الكتب وإحراقها”، بهذه الكلمات أطلق رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف في حكومة الانقلاب محمد عبد الرازق معركة الوزارة الجديدة ضد ظلال رجل شهيد.

اثنان وخمسون عاما مضت على إعدام المفكر الإسلامي الكبير سيد قطب رحمه الله، لم تنفع اتصالات وتدخلات العديد من الزعماء بمن فيهم الملك فيصل ملك السعودية، ورئيس العراق عبد السلام عارف والمفكرين والشخصيات والهيئات العربية والإسلامية في إثناء أبي الانقلاب الفاشي جمال عبد الناصر عن إعدامه، الذي نفذ في 29 أغسطس 1966.

ويُعدّ كتاب “في ظلال القرآن” للشهيد قطب من أشهر كتب التفسير الحديثة، وقد تعود هذه الشهرة لأسباب خارجة عن مضمونه، وتتعلّق أساساً بمؤلِّفه الذي جمع بين تجربة سياسية انتهت بإعدامه، وبين تضلّعٍ في علم الأدب دراسةً وتنظيراً وتجلّت هذه الثنائية الضدية ذاتُها في الإشكالية التي حكمت الكتابَ وهي صعوبة المواءمة بين معانقة الإعجاز البياني في القرآن وضرورة الفعل التاريخي لتغيير المجتمع، بعد أن غزته “جاهلية القرن العشرين”.

الظلال تحاصر السيسي

وأطلق السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي أذياله وأصابعه للنيل من الشهيد، الذي تفصله عنهم أكثر من خمسين عاماً، فحمل الشيخ أسامة الأزهري، مستشار السفيه للشؤون الدينية، راية الهجوم على سيد قطب، الذي يعد من المفكرين البارزين في الأمة الإسلامية وليس في جماعة الإخوان وحدها، قائلًا: “منجم ومنبع الفكر التفكيري الذي انطلقت منه داعش والقاعدة”.

من جانبه أكد عضو جبهة علماء الأزهر الشيخ محمد عوف أن موضوع حرق كتب الشهيد سيد قطب في المساجد قربان وزير الأوقاف لكسب ودّ السفيه السيسي، وقد سبقته لذلك وزارة التربية والتعليم وزارة الأوقاف التي أحرقت كتب الشهيد قطب في إحدى المدارس الخاصة.

وأضاف أن المشكلة بالنسبة للسفيه السيسي ونظامه ليست في كتب قطب، ولكنها تمتد لكتب التراث الإسلامي التي دعا السيسي نفسه “لثورة مقدسة عليها”، لأنها تتحدث عن الجهاد في سبيل الله ومواجهة الظالمين ووجوب إقامة الخلافة الإسلامية، مستشهدا على ذلك بحذف قصة صلاح الدين الأيوبي وعقبة بن نافع من المناهج الدراسية.

وتابع أن كتب رموز الحركة الإسلامية، التي تواجهها دولة العسكر حاليا، هي أوسع الكتب انتشارا في العالم، وذلك لما احتوته من مفاهيم واعية للإسلام ووسائل عملية وحركية ساعدت في بناء جيل من الشباب المسلم يُدرك الواقع ويصمد في وجه الظالمين، ويسعى لبناء دولة إسلامية قوية تتبنى قيم العدالة والحرية.

ويقول الشيخ الشعرواي رحمه الله تعالى: “رحم الله صاحب الظلال الوارفة الشيخ سيد قطب، فقد استطاع أن يستخلص من هذه الغزوة مبادئ إيمانية عقائدية، لو أن المسلمين في جميع بقاع الأرض جعلوها نصب أعينهم، لما كان لأي دولة من دول الكفر غلبة عليهم”.

وأضاف: “إذن، فالغاية النهائية في كل إيمان وفي كل عمل هي ابتغاء مرضاة الله ورحمته، وكما قال المرحوم الشيخ سيد قطب رحمة الله عليه: إياك أن يشغلك عن صلوات الله وتحياته وبركاته شيء ولو انتصار العقيدة نفسه، كأن انتصار العقيدة وسيلة لتنال بها الصلوات والرحمة من ربك، فكل شيء ما عدا ذلك وسيلة تسلم إلى غاية، وغاية المؤمن أن يكون من الذين يشملهم قول الله”.

طه حسين الذي كان يوما مسئولا عن سيد قطب في وزارة المعارف قال في لقاء تكريمي في أغسطس 1952 “إن في سيد خصلتين هما المثالية والعناد”، وبعد أن تحدث عن أثر سيد في ثورة يوليو 1952 ورجالها ختم كلمته بالقول “إن سيد قطب انتهى في الأدب إلى القمة والقيادة؛ وكذلك في خدمة مصر والعروبة والإسلام”.

غدر العسكر

وقبل غدر عبد الناصر بالشهيد سيد قطب وتنفيذ الإعدام، يصدم المتابعين بهذا اللقاء الذي تحول حفلا تكريمياً لقطب، والذي أقامه ضباط 23 يوليو 1952 التي أسقطت الحكم الملكي في مصر لسيد قطب بحضور عبد الناصر نفسه وجمهور واسع من الضباط والدبلوماسيين والأدباء والمهتمين، في أغسطس 1952 في نادي الضباط في منطقة الزمالك.

قال سيد في هذا اللقاء “إن الثورة قد بدأت حقا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تعمل بعد شيئا يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام..”. ثم تابع سيد “لقد كنت في عهد الملكية، مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا، فأنا في هذا العهد مهيئٌ نفسي للسجن أيضا، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل”!

وهنا وقف الفاشي عبد الناصر وقال بصوته الجهوري “أخي الكبير سيد، والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا، جثثا هامدة..”، هذا الموقف كتبه شخص حضر الحفل، هو الأديب السعودي المعروف، مؤسس صحيفة عكاظ بعد ذلك، أحمد عبد الغفور عطار؛ ونشره في مجلة كلمة الحق، العدد الثاني، مايو 1967.

 

وبعد 14 عاما صدقت توقعات سيد، وأُعدم بعد أن أمضى معظم ما تبقى من حياته في سجون ضباط ثورة يوليو، فهل تصدق نبوءة عبد الناصر وتحل دماء الشهيد سيد قطب لعنة ودماراً على رؤوس الظالمين الذين اغتالوا ثورة الشعب في 25 يناير 2011، وباعوا مصر بالقطعة وبالجزيرة وتنازلوا عن سيادتها للطائرات الصهيونية تعربد وتقتل في أهلنا في سيناء ؟!

 

 

رابط دائم