مدد قائد الانقلاب الطوارئ للمرة التاسعة على التوالي 3 أشهر إضافية‎ بعدما فرض حالة الطوارئ لأول مرة (بعد إلغاءها عقب ثورة يناير 2011) في 10 أبريل 2017، عقب تفجير كنائس الإسكندرية وطنطا، ثم ظل يمددها 3 أشهر باستمرار.

تمديد قائد الانقلاب للطوارئ برغم انه حصل على ما يريد بتمرير تعديلات الدستوري التي تبقيه مغتصبا للسلطة حتى 2030، وفرض ديكتاتورية عسكرية “دستورية” على البلاد، أثار تساؤلات عن السبب: هل هو تجديد روتيني بسبب استمرار الخوف من الشعب واعطاء اجهزته سلطات أكبر بالطوارئ، أم تحسبا لصفقة القرن وتنازلاتها غير المعروفة لاحد؟ أم بسبب الغلاء القادم وتحسبا للغضب الشعبي؟

قد يبدو أن كل ما يثار عن علاقة مد الطوارئ بصفقة القرن ليس صحيحا، لأن الصفقة لا قيمة لها وليست أكثر من مبادرة أمريكية سيتم رفضها وتركن جنب الحائط مثل غيرها، وأن كانت خطورتها فقط في انها تعطي الصهاينة شرعية الاستيلاء علي القدس والجولان.

ولكن فرض الطوارئ مطلب مُلح للانقلاب لأنه يحتاجها مع بدء تطبيق قرارات رفع الأسعار في يونية ويوليه، ولذلك سيقوم بتجديدها في يوليه 2019 أيضا.

ويجدد عبد الفتاح السيسي فرض حالة الطوارئ في كافة أنحاء مصر للمرة التاسعة رغم الانتقادات الحقوقية التي تعتبر مد الطوارئ مخالفة وتحايل على دستور السيسي الذي أقر فرضها 3 أشهر وأجاز مدها مرة واحدة بنفس المدة، بينما يجري تجديدها منذ ابريل 2017 بل توقف.

وبموجب الدستور الذي وضعه الانقلاب، وعدل به الدستور الشرعي لعام 2012، لا يجوز فرض الطوارئ سوي مدة 6 أشهر على مرتين، ولكن السيسي كان ينتظر 3 أيام ثم يعيد فرضها مرة أخري بموجب قرار جمهوري كأنه “فرض جديد لحالة جديدة للطوارئ”.

دلالات التمديد التاسع للطوارئ:

1- يستخدم الديكتاتور قانون الطوارئ لقمع الشعب وتمرير إجراءات سيئة اخري، واستمرار فرض قانون الطوارئ، يعني استمرار العمل بمحاكم امن الدولة التي لا يجوز الطعن على أحكامها والتي يتوسع السيسي وجهازه الامني في إحالة قضايا المعارضين لها، كما يعني مراقبة الرسائل ووسائل التعبير ومصادرتها، والاستيلاء على أي عقار وفرض الحراسة على الشركات، وإجبار كل موظف ان يعاون الجيش والشرطة ووضع قيود على حرية الأشخاص.

2- رغم ان النظام ليس في حاجة للطوارئ لمنع أي مظاهرات بالقوة وممارسة القمع والقتل والحبس لفترات طويلة دون سند من القوانين التي وضعها بنفسه، إلا أن وجود قانون الطوارئ له أثار خطيرة في تقييد الكثير من طرق الاحتجاج، وتقنين القمع وتقييد حرية التعبير وقصف أقلام الصحفيين بدعاوي أنه يتم “وفقا للقانون”.

3- الطوارئ حجة لتبرير ان هناك ارهاب وأن الارهاب هو سبب القمع بهدف اختلاق شرعية مصطنعة لقائد وسلطة الانقلاب، بدعوي أن وجوده بقوانينه القمعية هو ما يحمي مصر من الارهاب.

4- نظام السيسي لا يكترث بأي دساتير أو قوانين، حتى ولو كانت من صنع يديه، وليس لديه ذكاء ولا دهاء نظام مبارك في التحايل عبر طرق قانونية لتحليل المحرم قانونا، وإن كان ترزيه قوانينه يتبعون نفس خطئ نظام ما قبل ثورة يناير.

5- استمرار السيسي في التحايل لفرض حالة الطوارئ رغم ضمانه اغتصاب السلطة حتى 2030، ليس له تفسير جدي سوي استمرار القلق والخوف الذي ينتاب السيسي والذي دفعه للظهور عدة مرات وهو يهدد الجميع ويتحدى من يقترب من كرسي الرئاسة، ومن ثم الرغبة في استغلال القانون، بجانب باقي الاجراءات القمعية، في حماية نظامه.

6- مصر مستمرة في العيش في حالة طوارئ دائمة على مدار حكم العسكر المتوالين، عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك وأخيرا السيسي، ولم ترفع سوي بعد ثورة يناير لتعود مرة أخري، وقد تستمر الي الابد بهذا التحايل على الدستور.

7- وجود الطوارئ لم يمنع من قيام عمليات إرهابية، فلم تمنع الطوارئ الإرهاب ولا التظاهر، وفي ظل قانون الطوارئ قتل أنور السادات وقتل رفعت المحجوب وقامت ثورة 25 يناير وفجرت كنائس وقتل مصلين في مسجد الروضة بسيناء وعشرات الضباط والجنود في سيناء والواحات.

الطوارئ وعودة الحكم العسكري

رغم أن إلغاء قانون الطوارئ، كان أحد المطالب الرئيسية لثورة 25 يناير، إلا أن المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي استمر في العمل بها، بعد الثورة، عقب توليه شؤون البلاد، فقرر استمرار العمل بها عام 2011، جراء انتشار حالات البلطجة وحمل السلاح مارس 2011، وبسبب الأحداث التي وقعت أمام السفارة الإسرائيلية، سبتمبر 2011 وانتشار الانفلات الأمني.

وقبيل الاحتفال بالذكرى الأولى للثورة 25 يناير 2012، تم الاعلان رسميًا عن إيقاف العمل بقانون الطوارئ يوم 31 مايو 2012.

ونظم دستور 2012 إعلان حالة الطوارئ في المادة 148 من الدستور، على أن تعلن حالة الطوارئ لمدد محددة، ولا يتم تجديدها إلا بموافقة مجلس الشعب.

ولم يستخدمها الرئيس محمد مرسي، برغم محاولات الفوضى التي اشرفت عليها المخابرات الحر

بية والدولة العميقة وتبينت لاحقا بالتعاون مع الامارات والسعودية، ولكنه اضطر لإعادة العمل بقانون الطوارئ في الذكري الثانية لثورة 25 يناير، لمدة شهر فقط بسبب أحداث الشغب في مدن القناة وقتها، ولم تطبق فعليا بسبب تعمد الشرطة والجيش عدم تنفيذها لمعاكسة الرئيس.

وعقب انقلاب 3 يوليه 2013، أعلن الطرطور الموقت عدلي منصور إعادة العمل بقانون الطوارئ في أغسطس 2013، وفرض حالة الطوارئ لمدة شهر، على خلفية فض اعتصامي رابعة والنهضة، لتبرير أعمال القتل وسفك الدماء في الميادين المختلفة والاعتقالات العشوائية، والقمع الامني والقضائي.

ومع تولي قائد الانقلاب السلطة، أعلن حالة الطوارئ في سيناء عدة مرات متتالية لمدة 3 شهور، بدأت في نوفمبر 2014 عقب أحداث الشيخ زويد التي آدت لسقوط 33 جنديًا، ولا تزال مستمرة.

ثم بدأ فرضها لما لا نهاية منذ أبريل 2017 بالتحايل على الدستور الذي وضعه نوابه الذين اختارتهم اجهزة المخابرات.

واستغلت الانظمة المتعاقبة حالة الطوارئ لمخالفة القوانين التي وضعتها، وتوسيع سلطتها القمعية لا من اجل محاربة الارهاب او الحروب كما هي الحالة الطبيعة لفرض الطوارئ.

ورغم عدم حاجة نظام السيسي لقانون الطوارئ بسبب سنه وتعديله العديد من القوانين منها قانون العقوبات لتبرير الاعتقالات والسجن فترات طويلة بلا محاكمة، إلا أن وجود القانون يؤشر في حد ذاته للنهج الذي سيسير عليه النظام وأنه باق سنوات طويلة مثل مبارك، فضلا عن توفيره غطاءا قانونيا لعمليات القمع والقتل ومراقبة الهواتف ومواقع التواصل ومصادرة الصحف واعتقال الصحفيين وتبرير أي إجراءات غير قانونية.

فالسلطات الديكتاتورية والاستبدادية لا تستطيع العيش دون حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية، ورغم هذا يظل الإرهاب هو حجة السيسي لفرض الطوارئ والبطش بمعارضيه بدعاوي ان أي معارض “إرهابي”، وتلفيق التهم له عبر التعذيب الذي تشجع عليه حالة الطوارئ.

تاريخ الطوارئ كله عسكر

ومنذ فرض حالة الطوارئ في مصر وأغلب سنواتها حكم عسكري، باستثناء فترات قصيرة من الحكم الملكي وعام واحد حكم مدني منذ 1952، كانت تطبق بضوابط قانونية.

وتضمن دستور 1923 أول نص ينظم إعلان الاحكام العرفية، بشرط موافقة البرلمان المنتخب، وأُعلنت الأحكام العرفية عام 1939 بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، وانتهت عقب الحرب، ثم أعلنت عام 1943 بعد دخول الجيش المصري في حرب فلسطين، وأعلن انتهاءها عام 1950 عدا محافظة سيناء.

وفي عام 1952 أعلنت الاحكام العرفية في 26 يناير عقب أحداث حريق القاهرة، واستمرت 4 سنوات، قبل أن ترفع في يونيو 1956.

وبدأت حالة الطوارئ في عهد عبد الناصر، بالقانون رقم 162 لسنه 1958، وهي الحالة التي بدأت في وقت العدوان الثلاثي عام 1956، واستمرت حتى عام 1964، ثم أعيدت حالة الطوارئ مرة أخرى أثناء العدوان الاسرائيلي على مصر عام 1967، واستمر 13 عامًا حتى 1980.

وحين تولي السادات الحكم استخدم الطوارئ، في القبض على العديد من الصحفيين والكتاب والمعارضين، والسيطرة على انتفاضة 17 و18 يناير 1977، ولكنه أعلن إلغاء حالة الطوارئ عام 1980.

ومع مقتل السادات في 6 أكتوبر 1981، ومجيء مبارك، عادت الطواري واستمرت 30 سنة وكان يجري تجديدها سنويًا حتى عام 1988، حتى أعلن مجلس الشعب تجديدها كل ثلاث سنوات، وفي 12 مايو 2010، قرر مجلس الشعب تجديده لمدة عامين فقط، واستغلت الداخلية القانون في القبض العشوائي على المعارضين وتوسيع نفوذ جهاز “أمن الدولة”.

رابط دائم