بعد خلع مبارك في 11 فبراير 2011م، ووفقًا للتعديلات الدستورية التي تم إقرارها في 19 مارس 2011م، كان يتوجب على المجلس العسكري تسليم السلطة في غضون “6” شهور لحكومة مدنية منتخبة من الشعب.

ولكن الراصد للأحداث يدرك بيقين أن المؤسسة العسكرية وضعت كثيرا من العراقيل أمام التحول الديمقراطي، فافتعلت مذبحة محمد محمود في 19 نوفمبر 2011م من أجل جر البلاد نحو حالة من الفوضى والعنف تتيح لها فرض حالة الطوارئ وتأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان مقررا إجراء المرحلة الأولى من مراحلها الثلاث في 28 نوفمبر 2011م أي بعد 10 أيام فقط من بدء أحداث محمد محمود التي أسفرت عن استشهاد 42 وإصابة المئات.

الإخوان يواجهون مؤامرة العسكر

أدرك الإخوان أن محمد محمود فخا من جانب المؤسسة العسكرية والموالين لها، لجر القوى المدنية والثورية نحو صدام عنيف تفرض فيه المؤسسة العسكرية والأمنية كلمتها وتجر البلاد نحو سيناريو تكريس الحكم العسكري ونسف مسار التحول الديمقراطي.

لذلك قرر الإخوان عدم المشاركة رسميا في الأحداث والعمل على وأد فتنة العسكر والتقليل من خسائرها والضغط باتجاه إجراء الانتخابات وتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة وهو ما فصلناه في التقرير السابق بعنوان (أحداث محمد محمود.. جريمة العسكر لمنع التحول الديمقراطي).

أحداث مجلس الوزراء

ومع فشل العسكر في توظيف أحداث محمد محمود التي افتعلوها في تحقيق أهدافهم بنسف مسار التحول الديمقراطي، ووقف الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي بدأت في 28 نوفمبر، لم ييأس العسكر من رسم المؤامرات والمكائد لثورة يناير ومنع التحول الديمقراطي، حيث افتعلوا أحداث مجلس الوزراء يوم 16 ديسمبر 2011م، أثناء الجولة الثانية من الانتخابات والتي جرت قبلها بيومين فقط (14 ديسمبر والإعادة 21 ديسمبر)، لا سيما وأن نتائج الجولة الأولى كشفت عن فوز قائمة التحالف الديقراطي الذي يقوده حزب الحرية والعدالة بنسبة “49%” من جملة الأصوات.

البداية كانت مع اعتصام عشرات الشباب بالتحرير بعد مذبحة محمد محمود في نوفمبر، لكنهم قرروا نقل الاعتصام أمام مقر مجلس الوزراء، احتجاجا على تعيين كمال الجنزري رئيس للحكومة من جانب المجلس العسكري. وأثناء اللعب تدحرجت الكرة إلى داخل مقر مجلس الوزراء فدخل الشاب” عبودي” لإحضارها ولكنه تأخر في الخروج ما أثار الشك في نفوس الشباب المعتصم ، ومع الضغط على حرس المجلس خرج الشاب عبودي وعليه آثار اعتداءات وحشية على وجهه وبدنه من حراس المجلس الذين كانوا ينتمون للمؤسسة العسكرية لا الأمنية.

نقل الشباب الشاب المصاب إلى المستشفى وتم تلفيق محضر لعدد منهم بتهمة الاعتداء على حراسة المستشفى.

كانت هذه هي شرارة الأحداث والتي تكشف بجلاء افتعال العسكر لها من أجل جر البلاد نحو الفوضى العنف والصدام المسلح من أجل توظيفها لمنع المسار الديمقراطي وجر البلاد نحو تكريس حكم العسكر الاستبدادي.

تواصلت المواجهات أيام الجمعة 16 ديسمبر حتى يوم 24 من نفس الشهر، وبالتزامن كانت تجرى المرحلة الثانية من الانتخابات. أسفرت الأحداث عن استشهاد 26 من الثوار وإصابة المئات على يد مليشيا العسكر.

 

عفو الرئيس مرسي

يقول محمود بلال، المحامي بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان،: في نوفمبر 2012، أصدر الرئيس محمد مرسي عفوًا رئاسيًا عن المتورطين في كل الأحداث التي وقعت خلال عام 2011، إلا أن النيابة العامة استبعدت وقتها المتورطين في أحداث مجلس الوزراء وحرق المجمع العلمي. وشمل العفو 377 متهمًا في أحداث محمد محمود، و14 من المتورطين في أحداث اشتباكات عابدين التي وقعت في يونيو 2011، و75 متهمًا في أحداث السفارة الإسرائيلية التي وقعت في مايو من نفس العام.

وقال النائب العام حينها، المستشار عبد المجيد محمود، إن قرار العفو «استبعد المتهمين الذين شاركوا في إشعال النيران في المجمع العلمي، ومبنى الضرائب العامة، والذين ارتكبوا جرائم سرقات وإحراز وحيازة مخدرات وتخريب وإتلاف أملاك الدولة». وعلى الرغم من وجود اتهامات متشابهة للمتورطين في أحداث محمد محمود، أبرزها محاولة اقتحام وزارة الداخلية، إلا أن متهمي أحداث المجمع العلمي لم يصدر بحقهم قرارًا مشابهًا بالعفو.

ويرى بلال أن قضية مجلس الوزراء والتي كان يحاكم فيها “269” من شباب الثورة، لم يكن من الممكن إنهائها من خلال العفو، وهو ما كان سيعني إدانة واضحة للعسكريين المتورطين في القضية أيضًا، الأمر الذي لم يقبله المجلس العسكري، على حد قوله.

وأضاف بلال: «شملت أحداث مجلس الوزراء اتهامات واضحة ومسجلة لعدد من المجندين والضباط بالقوات المسلحة، منها الاعتداء على المتظاهرين والمتظاهرات والتعذيب الشديد بحقهم، وهو ما استدعى وقتها تحقيقًا ضد هؤلاء شمل أيضًا متهمي أحداث مجلس الوزراء كمجني عليهم، إلا أن هذه القضية تم تجميدها تمامًا أمام القضاء العسكري. أي محاولة لتبرئة المتهمين المدنيين في هذه القضية تعني إدانة للعسكريين الذين لم يحاكموا في هذه القضية، وبالتالي كان لابد من إدانة المدنيين وصدور هذه الأحكام القاسية في حقهم. تم تقديم كبش فداء في أحداث محمد محمود من ضباط الداخلية، كان اتخاذ موقفًا شبيهًا ضد العسكريين في أحداث مجلس الوزراء مستحيلاً».

انتقام السيسي عبر ناجي شحاتة

تم ندب ثلاثة من قضاة التحقيق في قضية أحداث مجلس الوزراء، على رأسهم المستشار وجدي عبد المنعم، والذي أحال القضية لمحكمة الجنايات في مايو 2012، حيث بدأت أولى جلسات القضية في يوليو من نفس العام بعهد الرئيس مرسي. من بين الـ 269 متهمًا، ألقي القبض على 17 متهمًا، أُخلي سبيلهم على ذمة القضية أثناء نظر القضية في أول جلستين، واستمر نظر القضية حتى أكتوبر 2012 حين تغيرت الدائرة القضائية التي تباشر القضية، بحسب بلال.

لم تستأنف المحاكمة جلساتها خلال عام 2013 على الرغم من كل الأحداث السياسية الهامة التي مرت بها البلاد، قبل أن يتقرر إحالة القضية أمام إحدى دوائر الإرهاب في فبراير 2014، وبالتحديد أمام المستشار محمد ناجي شحاتة، وهو الأمر الذي غيّر مسار القضية تمامًا.

صدر قرار شحاتة في فبراير 2015 بإدانة 230 من المتهمين ومن بينهم دومة بالسجن المؤبد، والسجن 10 سنوات لـ 39 قاصرًا، وتغريمهم مبلغ 17 مليون جنيه. بدأت حملة غير مسبوقة للقبض على المتهمين الصادر ضدهم أحكامًا غيابية بعد شهر واحد من صدور الأحكام.

رابط دائم