قراءة الأحداث بعد مرور فترة من الزمن تكون أكثر شمولا ووضوحا وتعبيرا عن الحقيقة، هذا بالضبط ما يمكن الانتهاء إليه بقراءة تحليلة متأنية لأحداث محمد محمود التي مضى عليها حوالي 7 سنوات كاملة، والتي أسفرت عن استشهاد “42” ثائرا، وإصابة المئات يوم 19 نوفمبر 2011م.

المذبحة تمت بتدبير من المخابرات الحربية التي كان يقودها الجنرال عبدالفتاح السيسي آنذاك، انتقاما من الثوار بعد النجاح الهائل لجمعة «المطلب الواحد» وهو تسليم المجلس العسكري السلطة للمدنيين بعد مماطلاته الكثيرة، حيث كان يتوجب تسليم السلطة بعد 6 شهور بعد خلع مبارك.

كما تم تنظيم هذه المليونية الضخمة رفضا لوثيقة علي السلمي نائب رئيس الوزراء وقتها والتي كانت تجعل من المؤسسة العسكرية ــ كما كان الحال في تركيا لعقود ــ وصيا على نظام الحكم في مصر؛ ما يحول فعليا من تأسيس نظام حكم مدني ديمقراطي رشيد.

انزعاج المجلس العسكري

وبمجرد إعلان الإخوان المشاركة في هذه المليونية الضخمة، انزعج المجلس العسكري وكتب أدمن الصفحة الرسمية للمجلس العسكري تدوينة، غمز فيها في الجماعة، مدعيا أنها لم تشارك في الثورة إلا يوم 28 يناير عندما تأكدوا تماما أنها ثورة شعب (وتناسى البيان أن النجاح الحقيقي للثورة كان بداية من يوم 28 وما قبلها كانت مجرد مظاهرات واحتجاجات ولم تأخذ شكل الثورة إلا يوم 28 يناير).

مدعيًا كذلك أن الأمور كلما توافقت مع أهداف الجماعة امتنعوا عن النزول والمشاركة وكلما خالفت أهدافهم نزلوا وشاركوا بكثافة حتى يثبتوا أنهم وحدهم القادرون على الحشد بكثافة مشيرا إلى أن مصر ليست ميدان التحرير وأن المؤسسة العسكرية لن ترضح لما أسمتها بالضغوط.

الشرطة تفتعل الأزمة وتعتدي على المعتصمين

كانت الاتفاق على المشاركة في مليونية “المطلب الواحد” لا يتضمن اعتصاما بعدها، ومع نجاح المليونية في توصيل رسالة الشعب للمؤسسة العسكرية حيث سقطت وثيقة السلمي ولم يعد أحد يتحدث عنها بعد ذلك.

قام بعض مصابي الصورة بالاعتصام بالقرب من مسجد عمر مكرم، لكن الشرطة قامت بالاعتداء بدون أسباب واضحة وقتها على المعتصمين.

وكلما فر المعتصمون من الميدان، انسحبت الشرطة حتى يعود المعتصمون مرة أخرى، ثم تعتدي عليهم ثم تنسحب وهكذا في مشهد متكرر يبدو معدا بإتقان للإيقاع بأكبر عدد ممكن من المعتصمين.

أدى اعتداء الشرطة والتي كان يشرف عليها وقتها مدير المخابرات الحربية عبدالفتاح السيسي باعتباره المشرف على كل الأجهزة الأمنية في مصر بعد الثورة، إلى حشد الآلاف من الثوار ما زاد من حصيلة الضحايا حتى وصلت إلى 42 شهيدا ومئات الجرحي.

فلسفة الإخوان في الفترة الانتقالية

كانت فلسفة الإخوان خلال هذه الفترة تقوم على أن الحل للفترة الانتقالية هو ضرورة إقامة نظام ديمقراطي تعددي وضرورة تسليم المجلس العسكري للسلطة لحكومة منتخبة من الشعب دون صدام مع المؤسسة العسكرية، حتى تمضى الفترة الانتقالية بأقل الخسائر وأن السيناريوهات الأخرى تكلفتها عالية وغير معلومة النتائج.

هذه الفلسفة سواء اتفقنا على صحتها أو حتى خطئها، دفعت بعض القوى العلمانية المقربة من دوائر صنع القرار بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وللأسف انساق وراءهم بعض الشباب الثائر تأثرا بالخطاب الإعلامي الموالي للعسكر، إلى اتهام الجماعة بالتحالف مع المؤسسة العسكرية تارة، والسعي للحكم تارة أخرى، وكانوا يطالبون بتأجيل الانتخابات والتبعية تأخير تسليم السلطة وبقاء المجلس العسكري لفترة أطول، بزعم أنهم لم يكونوا مستعدين للانتخابات، وكذلك اتهام المؤسسة العسكرية للجماعة بتحقيق أهدافها والرغبة في الوصول إلى الحكم.

ديمقراطيا وحتى شرعا لا عيب في الوصول إلى الحكم بالطرق المشروعة عبر الفوز بثقة الشعب في انتخابات تعددية نزيهة، لا سيما وأن هؤلاء الذين كانوا ولا زالوا يتهمون الإخوان بالسعي إلى الحكم عبر الأدوات الديمقراطية هم أنفسهم وصلوا إلى الحكم عبر انقلاب عسكري دموي وشكلوا أول حكومة برئاسة حازم الببلاوي بعد انقلاب 3 يوليو مباشرة، هم أيضًا من دعموا التحركات الإجرامية من جانب كبار جنرالات المؤسسة العسكرية، لوأد التجربة الديمقراطية، كما أن تأجيل الانتخابات كان يعني ببساطة استمرار المجلس العسكري في حكم البلاد وكان هذا هو هدفهم الأساسي بامتياز.

التيار الاسلامي لم يخرج عن اهداف الحشد لهذا اليوم واصبح واضحا تصميمه على تسليم السلطة ، انهاء حكم العسكر ، التمسك بمدنية الدولة مع المضي قدما في المسار الديمقراطي من خلال التمسك باجراء الانتخابات البرلمانية في مواعيدها والتي تعتبر الخطوة الأهم في طريق نقل السلطة مع إعلانه أن السلطة للشعب رافضا لوثيقة السلمي.

لماذا هاجم إعلام العسكر الإخوان وقتها؟

رأى الإخوان في مشهد افتعال الشرطة والمؤسسة العسكرية لمذبحة محمد محمود مؤامرة من جانب المؤسسة العسكرية والموالين لها من أجل نشر حالة من الفوضى تؤدي إلى تأجيل الانتخابات وبالتالي تأجيل تسليم السلطة لحكومة منتخبة واستمرار حكم المجلس العسكري ما يجهض كل مكاسب مليونية “المطلب الواحد”.

ومع الأسف الشديد على وقوع ضحايا من جانب شاب مصر الطاهر، إلا أن الجماعة رأت أن هناك فخا تم نصبه لا سيما وأن الأبواق الإعلامية الموالية للعسكر في ظل هذه الأحداث كانت تتهم الجماعة بالتخاذل والتخلي عن الميدان وعن الثوار في محاولة لجر الجماعة لصدام مع المؤسسة العسكرية التي افتعلت الأزمة أساسا حتى تكبر وتكون مبررا لفرض حالة الطوارئ وتأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان على الأبواب وهي أول إجراء عملي حقيقي لنقل السلطة من المجلس العسكري لحكومة منتخبة.

أصدر الإخوان بيانا شديد اللهجة اعتبروا فيه ما جرى “إجرام في إجرام” من جانب العسكر والأجهزة الأمنية مطالبين بتحقيق جاد للمتورطين في الجريمة. وأرسل الإخوان بعض شبابهم وأطبائهم وبعض الدعاة في محاولة لتهدئة الأجواء وإطفاء الفتنة التي أشعلها العسكر عمدا مع سبق الإصرار والترصد. مع ضرورة المطالبة بتحقيقات جادة فيمن تسبب في هذه المذبحة الدموية بحق شباب مصر.

وإثر أحداث محمد محمود قامت منظمة العفو الدولية بمطالبة وقف تصدير الأسلحة والقنابل المسيلة للدموع للداخلية المصرية حتى إعادة هيكلة الشرطة بعدما استوردت مصر من أميركا 45.9 طنا من قنابل الغاز والذخائر المطاطية خلال عام 2011، في تأكيد على أن المؤسسة العسكرية كان مصممة على وأد المسار الديمقراطي وتكريس الحكم الاستبدادي.

رابط دائم