استقالة أفيجدور ليبرلمان وزير الدفاع الصهيوني اليوم الأربعاء 14 نوفمبر 2018م تمثل تتويجًا لا يقبل التشكيك في أن المقاومة الفلسطينية حققت انتصارًا مبهرًا، وتمكنت من ردع العدو وإجباره على وقف إطلاق النار في أقل من ثلاثة أيام؛ حيث اعترف ليبرمان أن المقاومة أطلقت خلال يوم واحد 500 صاروخ معلنًا عن مقتل صهيوني وإصابة 44 آخرين بخلاف هدم عدد من المنازل، معترفًا أن وقف إطلاق النار هو هزيمة أمام الفلسطينيين وأنه سوف يدعو إلى انتخابات مبكرة.

وفي أول تصريح اعتبرت حركتا المقاومة الإسلامية “حماس” والجهاد الإسلامي” استقالة ليبرلمان دليلاً على انتصار المقاومة وهو ما دفع ألآلاف من أهالي غزة إلى الخروج إلى الشوارع احتفالاً بالنصر المبين. وبذلك تمكنت المقاومة من شق الحكومة الصهيونية وانهيار التحالف الحاكم لأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية.

ويمكن رصد عدد من الدروس المهمة من هذه الجولة من المواجهة والتي تعتبر الأكثر عنفًا منذ حرب العصف المأكول في 2014م.

أولاً: التوصل لتهدئة يمثل إنجازًا هائلاً للمقاومة لا يتمثل فقط في نجاحها في تثبيت قواعد الاشتباك التي أملتها بعد اندلاع مسيرات العودة الكبرى، بل يؤسس لنمط علاقات جديدة مع الاحتلال يقوم على ردعه لو لوح مستقبلا بخيار القوة، وذلك برغم أن هذا الانجاز تم في ظل ظروف داخلية ودولية واقليمية بالغة الصعوبة للمقاومة. حيث انتصرت غزة على الاحتلال وفرضت معادلة التوازن مرة أخرى مثلما انتصرت على المنافقين والمطبعين، وأثبتت أنها المدينة العربية التي يدخلها الصهيوني فيخرج منها مقتولاً، بينما يكرمه الحكام العرب في عواصمهم حين يدخلها.

ثانيًا: كشفت المقاومة أن رجالها كعادتهم أولى بأس شديد كما ورد وصفهم في القرآن الكريم، فقد تمكنوا من صد فرقة التسلل الصهيوني وقتل ضابط صهيوني، وإحباط محاولة الاحتلال أسر قائد قسامي في خان يونس. وهو ما دفع صحف الكيان الصهيوني إلى الاعتراف بالفشل؛ حيث صرح الجنرال احتياط “عميرام ليفين” لمعاريف: “لقد تخلينا عن مستوطني غلاف غزة ونشاط الجيش الإسرائيلي ضعيف أمام حماس”، والمحلل العسكري أمير بوخبوط يقول لموقع والا العبري: “حماس تقشر طبقات الحماية فوق غلاف غزة، والقبة الحديدية تعترض عدد قليل من الصواريخ”، و”يوسي يهوشع يقول في يديعوت احرونوت: “هنية يريد وقف إطلاق النار لإنه بالنسبة له حقق أهدافه ويريد أن ينهي هذه الجولة الأكثر عنفاً بما يزيد عن 400 صاروخ وقذيفة هاون، وإذا قبلت إسرائيل بوقف إطلاق النار فان ذلك سيكون فشلا ذريعا.

ثالثًا: كشفت هذه المواجهة أن هناك دقة في إطلاق الصواريخ هذه المرة نتج عنها لأول مرة هدم منازل في المستوطنات بلغ عددها حوالي 3 إضافة الي ضرب اتوبيس بصاروخ كورنيت بدقة بالغة كان يقل جنود الاحتلال قرب السياج الحدودي مع غزة، وكاد يقتل فيه 30 جندي لولا سرعة إخلائهم قبل القصف. كما كشفت عن فشل القبة الحديدية في صد صواريخ المقاومة فلم تتمكن سوى من صد 10% فقط من الصواريخ.

رابعًا: كشفت هذه المواجهة أن ثمة فروقا واسعة بين المقاومة التي نبتت من عقيدة الشعوب وصمودها وبين الحكام الخونة المستبدين، فالمقاومة تسطر صفحات خالدة تكشف عن صلابة الشعوب وقدرتها على مواجهة المشروع الصهيوني لولا الحكام الخونة؛ فالمقاومة الفلسطينية رغم الحصار المتواصل منذ 12 سنة تمكنت من الصمود والانتصار بينما تنبطح عواصم كبرى لا لشيء سوى أن حكامها يفتقدون للشرعية التي يستمدوها من خدمة الكيان الصهيوني عبر بوابة الأمريكان وضمان حماية “الاحتلال”. وبهذا الانتصار فقد أكدت المقاومة أن ما تسمى بصفقة القرن لن تمر بسهولة وأن ثمة رجالا يقفون للمؤامرة بالمرصاد مستعينيين بالله وقد أعدوا ما استطاعوا للعدو من قوة.

خامسًا: رغم محاولات تلميع وسائل الإعلام الموالية للنظام العسكري باعتباره راعيا لاتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن مصادر حكومية مطلعة تؤكد لصحيفة مدى مصر» أن موقف نظام السيسي ليس الوساطة ولكن الضغط علي حماس فقط مشيرا إلى أن “المخابرات العامة المصرية مارست ضغوطًا كبيرة على حماس لوقف إطلاق الصواريخ نحو الأراضي المحتلة، وعزفت عن ممارسة ضغوط مشابهة على الاحتلال الإسرائيلي، وأن مخابرات عباس كامل أبلغت حماس أنها لن تضغط على إسرائيل!”.

سادسًا: المقاومة تحقق المعادلة المعجزة « غزة كلما اختنقت، انفجرت إبداعًا مذهلًا في القدرة على الحياة والبقاء والتطور، وكلما اغتالوا فيها عقلًا نبتت عقول جديدة تحمل الشعلة، وتواصل الابتكار لتصنيع السلاح»، فبعد مؤسس “القسام”، صلاح شحادة (اغتيل عام 2002)، جاء “المهندس” يحيى عياش (اغتيل عام 1996)، فصعد قائد جديد لتطوير التصنيع المحلي عدنان الغول (اغتيل عام 2004)، ثم جاء سعد العربيد (اغتيل عام 2004)، فظهر من أدخل التكنولوجيا الحديثة إلى عمليات التصنيع، رئيس أركان “حماس”، مروان عيسى، الذي خلف أحمد الجعبري الذي استشهد عام 2012.. وهكذا حتى جاءت الليلة الفائتة، وأمطرت السماء فوق الاحتلال مئات من صواريخ المقاومة، فعرف العالم أن العجز لا يبيت في غزة، وأنها لا تمنح صداقتها للمنهزمين. فغزة هي الأقل في نسبة الأمية، بحسب إحصاءات اليونسكو. وهنا تكون معجزة تطوير القدرة الصاروخية وامتلاكها في المنطقة التي يخنقها الشقيق بالحصار أكثر من العدو، وتلك هي المعادلة المعجزة.

خلاصة القول: الكيان الصهيوني مثل الكلب الجريح، سوف يحاول الانتقام وافتعال حرب مجددة لأن استقالة “ليبرمان” تعني حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة؛ وفي مثل هذه الأجواء يفتعل الحزب الحاكم في الكيان الصهيوني حربا يحاول من خلالها تعزيز شعبيته على حساب الفلسطينيين فلله در المقاومة لإحباط كل اعتداء ورد كل مجرمي الصهاينة.

 

رابط دائم