لم تتوقف جذوة المقاومة الفلسطينية، لا عسكريا ولا سياسيا ولا اجتماعيا، منذ إطلاق الجهاد الفلسطيني، الذي بدأ بالحجارة في 1987 ثم السلاح وكذا الفعاليات السياسية والاجتماعية التي تفتقت عن فكرة مسيرات العودة ، وهو حراك شعبي غير عسكري، يؤكد حق الشعب الفلسطيني في التمسك بحقوقه المشروعة.

وعلى عكس ما كانت تتمناه إسرائيل من اغتيال قيادات المقاومة، فلم تخمد المقاومة في فلسطين، ولم تعدم حركات المقاومة من إخراج قيادات جديدة أشد قوة وأكثر توقد وإشعالا للثورة والصمود الفلسطيني؛ بل إن الاغتيالات زادت من عزيمة وإصرار الحمساويين الذين تطوروا عسكريا بشكل كبير على عكس ما كانت تتمناه إسرائيل وتسعى إليه بعمليات الاغتيال.

فمن بين القيادات التي ارتقت قبل 14 عاما، الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، أسد فلسطين، الذي ارتقى بعملية غادرة من قبل الصهاينة، بعد عدة محاولات فاشلة لاغتياله. إلى أن اغتيل في غارة جوية شنتها طائرة حربية على سيارته بمدينة غزة، في 17 إبريل عام 2004، أدت إلى استشهاده واثنين من مرافقيه على الفور.

وسار الرنتيسي على طريق الشهادة كعشرات القادة الكبار بوزن أحمد الجعبري وسعيد صيام وإسماعيل أبو شنب وقبلهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة.

تطور الحركة

ومما لاشك فيه بأن اغتيال هؤلاء القادة يعتبر خسارة قاسية لحركة حماس والفصائل المقاتلة ، إلا أن الحركة والمقاومة تتطور وفق مقتضيات الوقت وضرورات الواقع؛ فالحركة ليست قائمة على فكر وعقل شخص واحد…وهو ما يؤكد استمرار الحركة الإسلامية في كل بقاع الأرض، حتى لو اعتقلت قياداتها أو استشهدت.

وتتوافق ذكرى استشهاد الرنتيسي مع ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، الذي كان يشارك بأبرز فعالياته في يوم استشهاده.

القائد الطبيب

ولد عبد العزيز الرنتيسي في 23 أكتوبر 1947 في قرية يبنا (بين عسقلان ويافا)، وكان عمره ستة شهور عندما تم تهجير عائلته وآلاف العائلات الفلسطينية في نكبة عام 1948م، من مناطق سكناهم إلى الضفة الغربية والقطاع والقدس والشتات.

وأنهى دراسته الثانوية عام ١٩٦٥، ولتفوقه حصل على منحة دراسية في مصر على حساب وكالة غوث اللاجئين (أونروا)، وتخرج في كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام ١٩٧٢، ونال منها لاحقًا درجة الماجستير في طب الأطفال، ثم عمل طبيبًا مقيمًا فى مستشفى ناصر (المركز الطبي الرئيسي في خان يونس بقطاع غزة) عام ١٩٧٦. تأثر أثناء دراسته بمصر كثيرًا بالشيخين محمود عيد وأحمد المحلاوى، وكانا يخطبان فى مسجدي السلام باستانلى والقائد إبراهيم بمحطة الرمل بالإسكندرية.

مسيرة دعوية ونضالية

و”الرنتيسي” أحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقائدها في قطاع غزة، وشغل عدة مواقع في العمل العام، منها عضو في الهيئة الإدارية في المجمع الإسلامي والجمعية الطبية العربية بقطاع غزة والهلال الأحمر الفلسطيني.

وكان الرنتيسي أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين السبعة في قطاع غزة عندما وقعت حادثة “المقطورة”، فاجتمع قادة الإخوان في غزة وعلى رأسهم الرنتيسي على إثر ذلك، وتدارسوا الأمر، واتخذوا قرارًا مهمًا يقضي بإشعال انتفاضة في قطاع غزة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي ٩ ديسمبر ١٩٨٧، وتم الإعلان عن «حركة المقاومة الإسلامية» كعنوان للعمل المقاوم، وصدر البيان الأول موقعًا بـ «ح.م.س»، وكان الرنتيسى مسؤول منطقة خان يونس فى حركة الإخوان المسلمين.

وهو أول من اعتقل من قادة حركة المقومة الإسلامية “حماس” في 15 يناير 1988، حيث اعتقل لمدة 21 يومًا بعد إشعال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في التاسع من ديسمبر 1987.

مع الشيخ ياسين

وبعودة الشيخ أحمد ياسين إلى قطاع غزة في أكتوبر ١٩٩٧، عمل معه الرنتيسى جنبًا إلى جنب لإعادة تنظيم صفوف حماس بعد فقدان صلاح شحادة، وبعد اغتيال الشيخ القائد أحمد ياسين بايعت الحركة الدكتور الرنتيسى خليفة.

وجمع الرنتيسي بين الشخصية العسكرية والسياسية والدينية، وتمتع بالهيبة وحظي باحترام ومحبة أغلب شرائح الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي، كما اتصف من قبل من عايشوه بالقوة والعناد والجرأة وتحدي قادة الاحتلال وجلاديه في سجون الاحتلال.

وبلغ مجموع فترات الاعتقال التي قضاها في السجون الإسرائيلية سبع سنوات، بالإضافة إلى السنة التي قضاها مبعدًا في مرج الزهور، كما اعتقل في سجون السلطة الفلسطينية 4 مرات معزولًا عن بقية المعتقلين.

واشتهر من أقوال الرنتيسي “أرض فلسطين جزء من الإيمان. وقد أعلنها الخليفة عمر بن الخطاب أرضًا للمسلمين قاطبة. ولهذا، لا يحق لفرد أو جماعة بيعها أو إهداؤها”، وقال ذات مرة في لقاء باللغة الإنجليزية “الموت آتٍ سواءً بالسكتة القلبية أو بالأباتشي وأنا أفضل الأباتشي”.

رابط دائم