بين طعنات التعتيم الغربي والتواطؤ الأمريكي والذاكرة السمكية للمسلمين والفيتو القيصري القاسي، تعوق بصورة مشينة إصدار أي قرار أممي يخلد المظلومية الأكبر على الأراضي الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والتي تمر اليوم ذكراها الـ 23، باعتبارها أبشع مجزرة في التاريخ الحديث، ضد مسلمي البوسنة على يد صرب البوسنة وتخاذل من القوات الدولية التي كانت تشرف عليها هولندا، آنذاك.

آلاف الضحايا

المذبحة راح ضحيتها نحو ثمانية آلاف مسلم، على يد القوات الصربية خلال بضعة أيام فقط، فيما اعتبرته الأمم المتحدة أبشع عملية قتل جماعي في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد ارتكبت الجرائم وحدات من الجيش الصربي تحت قيادة الجنرال راتكو ملاديتش وبتحريض من الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة رادوفان كراديتش الذي أوقف العام 2008، واعتبرت الهيئات القضائية الدولية أن المجزرة ترقى لمستوى الإبادة وذلك وفقا للقوانين الدولية.

عمدت تلك القوات إلى فصل الرجال قبل قتلهم عن النساء والأطفال والمسنين، الذين تم ترحيلهم، كما تم اغتصاب العديد من النساء. وقد دفنت الجثث في مقابر جماعية تم نبشها لاحقا وتوزيع الرفات على مقابر أخرى أصغر ومشتتة من أجل إخفاء حجم المجزرة.

وحكمت محكمة الجزاء الدولية في مارس 2016 على رادوفان كراديتش الذي عرف بـ “سفاح البوسنة” بالسجن 40 عاما بتهمة “الإبادة” وفقا للمحكمة. وكان الجنرال راتكو ملاديتش الملقب بـ “جزار البلقان” قد اعتقل في مايو 2011 وتم نقله إلى لاهاي حيث لا يزال قيد المحاكمة.

يوم الهولوكوست

الاستهداف الممنهج تم تحت سمع وبصر كتيبة هولندية مكونة من 400 عنصر، كانت تمثل قوات حفظ السلام الدولية بالمنطقة.

حاميها تجرد من حياده فجأة، وغدا قوادًا نذلًا، سلم فريسته الملكومة لصياد خسيس، بل كان يلاحق الفارين المزعورين ويعيدهم بقلب متحجر إلى المجزرة.
المنطقة الآمنة بقرار دولي، تحولت خلال بضعة أيام صيفية حارة، إلى هولوكوست مفتوح ضد السكان المسلمين، تنفيذًا لمخطط صربي دنيء لتطهير المكان عرقيًا من الأقليات، لصالح الأغلبية الكاثوليكية.

كان المغدورون يقفون في طوابير مقيدي الأذرع، ليتبارى أعضاء فرقة جنود صغيرة مكونة من 8 أفراد فقط، في قتلهم بدفعات رصاص من مدافعهم الرشاشة من الخلف.. وأحيانًا كان يتم جمعهم في حجرات أو صالات ضخمة، كما حدث في مركز الثقافة بالمدينة، أو حتى في أحد الحقول النائية المستترة خلف الأشجار الضخمة، ليتم “غربلتهم” بوحشية، ثم دفنهم في مقابر جماعية لا تزال بعضها مجهولًا حتى الآن.

مسئولية هولندا

أهالي الضحايا حمّلوا قوات السلام الهولندية مسؤولية الفشل في منع وقوع المأساة. وفي يونيو 2017 حملت محكمة استئناف لاهاي أمستردام جزءا من مسؤولية مقتل نحو 350 رجلا مسلما خلال مجزرة سربرنيتشا. وقالت القاضية غيبكه دوليك “حكمت المحكمة بأن الدولة الهولندية تصرفت بشكل مخالف للقانون” و”تحكم على الدولة بدفع تعويض جزئي” لأسر الضحايا، مضيفة أن عناصر القوة الهولندية في القوات الدولية سهلوا الفصل بين الرجال والأولاد المسلمين “مع أنهم كانوا يعلمون بمخاطر حقيقية بتعرضهم لمعاملة غير إنسانية من قبل صرب البوسنة”.

من جانبها، قالت السلطات الهولندية أكثر من مرة على أن كتيبة من قوات حفظ السلام الهولندية عجزت عن التحرك في سربرنيتشا لأن قيادة القوات الأممية تخلت عنها دون تقديم دعم جوي إليها.

مسئولية وخسة دولية

وبحسب مراقبين، فإن القتلة المجرمون ظلوا طلقاء لأكثر من 15 عامًا.. بعضهم لم يتردد في الظهور الإعلامي منكرًا أي اتهامات بشأن الإبادة.. كانوا يقيمون مع زوجاتهم وأبنائهم وقططهم الصغيرة في سلام.. يتجولون في أرض المذبحة دون وجل وبعيون متسعة لا تعرف الانكسار.. يدعون بدماء باردة أن ما حدث في البوسنة والهرسك لم يكن بتلك البشاعة، وأن الضحايا المسلمين كانوا أقل من 300 عنصر على الأكثر، وأنهم كانوا عسكريين لا المدنيين وقضوا نحبهم في معارك حربية لا صراع طائفي.. وماذا عن المقابر الجماعية؟.. لا أحد يجيب.. لا أحد يخشى شيئًا.. لا أحد يرتدع.. القتلة في حماية ديمقراطية سيادة الشمال العنصرية المتعالية.

صربيا لم تكن تنوي تسليم أيًا من القتلة وبعضهم صار سبعينيًا.. دماء 8 آلاف مسلم أرخص مما كانت تعتقده في “زرقان” دماء مجرميها. وحين وجدت نفسها مجبرة على تسليمهم كتذكرة مرور إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، كانوا قد هربوا، أو هُربوا، تخفوا أو تم إخفاؤهم.. وأخيرًا سلمت بعضهم وأقدامهم اليمنى في الدار الآخرة.

الخيانة الهولندية للأمانة، والتنصل الصربي الفج من الدماء، توازى مع خطة شيطانية أمريكية للطعن في صحة أرقام الضحايا.. العجوز مادلين أولبريت قدمت لمجلس الأمن صورًا التقطتها أقمار واشنطن التجسسية لمقبرة تضم نحو 30 قتيلًا فقط، ولتذهب باقي أعداد الضحايا إلى جحيم الغدر.

حتى المسلمين، سنة وشيعة، في الحكم أو في المعارضة، في شتى بقاع الأرض، لم يعودوا يتذكرون سربرنيتشا.. سقطت من حساباتهم تقريبًا..

رابط دائم