كتب: يونس حمزاوي
جاء مقتل أكثر من 20 مصريا بصحراء طبرق في ليبيا، الأسبوع الماضي، وترك جثثهم حتى اليوم، مؤلما لكل المصريين، وكاشفا لنظرة النظام العسكري الاستبدادي الذي تأسس بعد انقلاب 30 يونيو 2013 للمواطنين، واسترخاصه لأرواحهم؛ فإنهم لا يساوون شيئا عند العسكر.

وفي هذا التقرير نرصد أبرز الدلائل على هذا الحادث المؤلم، الذي خيّم بسببه الحزن على عدد من الأهالي، بعد أن فقدوا أبناءهم في سعيهم للقمة العيش.

وكشفت مصادر ليبية عن العثور على عشرات الجثث المتناثرة بصحراء طبرق الليبية، والتي لم يتمكن الهلال الأحمر الليبي من استعادتها لقلة الإمكانات، بينما تم التعرف على 7 جثث فقط من أصل 48 مصريا لقوا حتفهم تحت لهيب الشمس والصحراء القاسية، بعد أن تخلت عنهم حكومة العسكر، وتركتهم عالة يعانون الفقر والحرمان.

وقالت فاطمة العبيدى، رئيس المكتب الإعلامى بالهلال الأحمر الليبى بمدينة طبرق، إنهم بعد الانتهاء من انتشال الجثث الـ19، تعمّق أفراد فريق الهلال الأحمر فى وسط الصحراء، وعلى مدى مسافة الطريق عثروا على جثث أطفال ونساء، لكن تم تركهم لعدم وجود أكياس تكفى لهذا العدد، وبسبب بُعد المكان عن المدينة كان يصعب عودة أفراد الفريق لإحضار مزيد من الأكياس.

تجاهل تام من العسكر

الدليل الأول هو التجاهل التام من النظام العسكري الاستبدادي وإعلامه لهذا الحادث المؤلم، ويبدو أن الرقيب العسكري على الصحف والفضائيات شديد الحرص على عدم بث أو نشر ما يمكن أن يسهم في زيادة الغضب الشعبي ضد نظام 30 يونيو، فيكفي ما فيه المواطنون من غلاء فاحش، وتآكل رواتبهم التي باتت لا تكفي إلا لنصف الشهر.

وينتقد الكاتب محمود خليل- في مقاله بصحيفة الوطن في عدد اليوم- هذا الموقف المتجاهل من النظام بقوله: «هل يليق أن نترك جثث المصريين الذين ماتوا جوعا وعطشا فى صحراء أجدابيا بليبيا دون سعى حثيث لإحضارها وتهدئة نار الحزن داخل نفوس ذويهم بدفنهم فى تراب هذا البلد؟.. هل من المعقول أن تضيق بهم مصر أحياء وأمواتا؟»

ويستدل خليل على إهمال وتجاهل سلطات الانقلاب بتصريحات السيدة فاطمة العبيدى، رئيس المكتب الإعلامى للهلال الأحمر الليبى، التي أكدت أنها طالبت السلطات المصرية بالتعاون مع نظيرتها الليبية فى هذه القضية، مؤكدة أن إمكانيات الهلال الأحمر الليبى لا تكفى للبحث عن تلك الجثث، وإحضارها من المناطق النائية الموجودة بها.

وأضافت «العبيدى» أن «السلطات المصرية غير متعاونة، ولم نتلقّ سوى اتصال واحد من السفير المصرى يطلب تسلم 7 جثث فقط»!.

مقارنة مع الصهاينة

أما الدليل الثاني فهو خيانة العسكر للشعب المصري، فلا همّ للعسكر سوى البيزنس وجباية الأموال من جيوب الشعب المطحون، ولك أن تقارن بين هذا الموقف المتخاذل وموقف حكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي تبذل كل مساعيها من أجل استرداد رفاة جنودها من حماس، وتعقد صفقات تبادل أسرى، وتطلق سراح المئات من الأسرى من أجل استرداد رفاة جنودها القتلى.

أما عسكر مصر، فالشعب عندهم أرخص الأشياء، فإن مات أو قتل فليذهب إلى الجحيم.. وإيه اللي وداه هناك؟"".

وفي هذا يضيف خليل «يشق على نفسى أن أعقد مقارنة فى هذا السياق بين هذا الموقف وما تفعله إسرائيل من أجل استعادة جثة أو رفات أى مواطن إسرائيلى من أيدى الفلسطينيين، فتدخل فى مفاوضات ممتدة وتوافق على الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين لديها مقابل استرداد رفات مواطن.
«نحن أمام سلطات غير متعاونة».. كذلك قالت «العبيدى»، مؤكدة أن الهلال الأحمر الليبى يريد إعادة هذه الجثث ليحتويها تراب هذا الوطن، فى حين لا تبدى السلطات المصرية تعاونا فى هذا السياق.

هذا الأمر- بحسب خليل- "لا يليق بنا، وعلى وزارة الخارجية أن تتحرك حتى تعيد جثة كل مصرى صعدت روحه إلى ربه وهو يعانى الجوع والعطش؛ تعبيرا عن احترامها للبلد الذى تمثله، وأهالى من أفضوا إلى ربهم فى الصحراء".

عدم احترام تقاليد الشعب

والدليل الثالث هو عدم احترام سلطات الانقلاب لتقاليد وأعراف هذا الشعب بل احتقارها، فـ«دفن الميت» بين أهله أمر شديد الحساسية بالنسبة للمصريين، احترام الموت وجثث الأموات جزء من حضارة هذا الشعب، الأهرامات الثلاثة شاهدة على ذلك، والرباط النفسى العميق الذى يربط الكثير من المصريين بالمقابر التى تضم عظام موتاهم شاهد آخر.

وكذلك تبدو الشعوب الضاربة بجذورها فى عمق التاريخ، لقد وصف «جارثيا ماركيز» واحدة من شخصيات عمله الأشهر «مائة عام من العزلة»، وهى تحمل عظام آبائها وأجدادها عندما قررت الانتقال من قريتها للعيش فى قرية أخرى، فحيث توجد عظام الأموات يوجد الوطن، بحسب خليل، ولكن عسكر 30 يونيو لا يحترمون عادات الشعب وتقاليده وأعرافه.

الفقر يسحق الجميع

والدليل الرابع هو أن مصر بعد 30 يونيو باتت سجنا كبيرا لكل المصريين، الفقر يعشش فيها، والبطالة تحاصر شبابها، والاستبداد حوّل حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق، لذلك يفر آلاف الشباب من هذا الجحيم؛ لعلهم يجدون لقمة عيش كريم في بلد آخر، حتى لو كان يعاني من حرب أهلية مثل ليبيا، فإنها أفصل حالا من مصر العسكر.

كما يعكس الحادث حجم المعاناة التي تواجه الشعب، بعد القرارات الاقتصادية الأخيرة التي رفعت الأسعار بصورة جنونية، ووصل التضخم إلى أعلى مستوياته على الإطلاق في تاريخ البلاد، وبعد أن سحق السيسي الفقراء يتجه حاليا إلى سحق الطبقة الوسطى التي هي عماد أي وطن لكى يبقى ويستمر، لذلك يفر الشباب من جحيم مصر، التي باتت بعد 30 يونيو زنزانة كبيرة، جلادها السيسي وزبانيته.

رابط دائم