إذا كنت مستاء من التعديلات الدستورية التى شرع النظام العسكرى في تنفيذها؛ فاستمع إلى «فيديو» للقس مكارى يونان، راعى الكنيسة المرقسية بالأزبكية (وهو قيادى كنسى قال في عام 2017: إن الأقباط هم أهل مصر، والإسلام انتشر بالسيف، واحنا أصل البلد، واللى ساب المسيح سابه بسبب الرمح، ومصر مسيحية، وجدك وأبو جدك مسيحى -اليوم السابع، 20 مايو 2017). «الفيديو» نُشر منذ يومين، يجيب فيه يونان عن سؤال حول هذه التعديلات؛ فقال: «لا يبقى (…..) فترة ولا اثنتين، بل يبقى مدى الحياة، أطال الله عمره». وعدّد أسباب بقائه في السلطة؛ وكلها تصب –بالطبع- في مصلحة الكنيسة والأقباط.

لا شك أنك ستستريح بعد سماع رأى القس. أنا بالطبع استرحت؛ لأنى أيقنت أننا في الأدغال؛ فلا داعى إذًا لـ«وجع القلب» الذى أصبحنا وأمسينا فيه؛ إذ ليس في الأدغال قانون سوى قانون الغاب، وهو قانون حيوانى لا يعرف سوى المصلحة، وللمتغلب قتل المغلوب ولا حرج عليه، والذين يعيشون في هذه البيئة ليس لهم عقل، ولا يدركون مآلات سلوكهم الغريزى الطائش.

كما ألفت نظر المستائين إلى أن الدول بمفهومها الحديث هى التى يلزمها دستور؛ إذ ارتبط بها –أى الدستور- منذ عرفها العالم؛ فلا دولة من دون دستور يحدد مهامها وأدوار مسئوليها ونظمها ولوائحها، أما أشباه الدول فلا يلزمها دستور؛ إذ لم تصل بعدُ إلى شكل الدولة؛ فلا زالت تُحكم بعقلية من يديرونها، لا لوائح ولا نظم ولا أدوار محددة ولا سلطات؛ وكلما ظهر زعيم وضع لنفسه اللوائح والنظم -عادة تكون شفهية- بما يخدم مصالحه، ويمنع معارضته، ويزيد سلطاته لضمان بقائه وذويه في السلطة أبد الدهر.

لا ضرر إذًا من أن ينسفوا الدستور بكامله ونعيش بلا دستور أو قانون، والواقع لن يختلف ساعتها كثيرًا عما نعيشه الآن ودعنا نفكر بهدوء.. إن الخوف من التعديلات المقبلة يعنى الموافقة على الدستور الحالى. فهل أنت راض عن واقعك في ظل هذا الدستور؟ بالطبع لا؛ إذ ماذا فعل لآلاف قُتلوا، وعشرات الآلاف سُجنوا، ومثلهم طُوردوا رغم أن به مواد رائعة تكفل صون الحرمات وضمان الحريات وتداول السلطة..

فى الحقيقة؛ في مثل بلدنا «شبه الدولة» لا يهم ما يُكتب في الدستور، بل الأهم: من يطبق هذا الدستور والذى أقسم على احترامه؛ فلو كان مختارًا نزيهًا لوفّى بقسمه وما اقترب من مواده، أما إن كان قد جاء بانقلاب مغتصبًا السلطة فلا تسل عن دستور أو قانون، ولو جىء له بألف دستور ما اتبعها، إنما يتبع أهواءه ومصالحه وما يملى عليه من أسياده، وراجع إن شئت تاريخ العسكر منذ الهالك وحتى الآن؛ فقد ورث الأول دستورًا من أعظم الدساتير الحديثة فداس عليه بأقدامه، وأعاد البلاد والعباد إلى حقب التخلف والرجعية، وما كان لواحد من عامة الشعب أن يسأله ماذا فعلت بدستور المحروسة.

الدساتير الحقيقية هى التى تكتبها الشعوب بأيديها وتوثقها بالاستفتاء عليها، وتقف بالمرصاد لمن حام حولها أو أراد العبث بها، أما دساتير الغاب فهى التى تميز فئة على أخرى، وتستثير الطائفية، ويتم تزويرها بأيدى فئة غشاشة لم يخترها الشعب، ويتم توثيقها بالتدليس والغصب، ورغم ذلك لا يمكنهم الالتزام بكل ما جاء فيها؛ إذ كلما عنّ لهم جديد بدّلوه؛ فهو ليس دستورًا كما قلت، بل لا يشبه الدساتير.

إن الناظر إلى التعديلات المرتقبة نظرة موضوعية يراها أشبه بـ«بيان عسكرى» لمحتل جديد، وهذا يدعو أيضًا للشعور بالراحة؛ إذ يقال للمحتل -عادة- لكم ما تقولون ولنا ما نفعل، والأمر كله في يد المؤسسات التى تنفذ هذا الدستور، وللأسف كلها الآن تبع لهذا المحتل؛ فلا جدوى من نقاشها أو التعقيب عليها، والأجدى هو التفكير في سبل للتحرير، والبحث عن طرق أخرى للخلاص من هذا الحكم الفاشى الرزيل.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم