“آفة حارتنا النسيان”، ولكن مانشيتات “السيسي ينتصر لأصحاب المعاشات” التي ترجمتها صحافة الإنقلاب أعادت التذكير بدخول عناونين المعاشات التي صدرت أمس ضمنا مع مانشيتات سابقة “مصر تستيقظ” و”مصر بتفرح” و”يوم تاريخي” و”المعجزة” و”ضربة معلم” أثناء التمهيد لتفريعة قناة السويس الجديدة ثم افتتاحها البذخي .. وغيرها.

هذا النوع من العناوين يبدو أنه ما يصر عليه عبدالفتاح السيسي من خلال مندوبه في المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد الذي “قص” موقع المشهد وحجبه عن الظهور وغرم إدارته 50 ألف جنيه رغم أن “شندي” رئيس تحرير الجريدة والموقع أحد رجال 30 يونيو من الاتجاه الناصري.

قرار المعاشات

وفي أبريل الماضي، خرجت وزيرة التضامن بحكومة الإنقلاب بتوجيه مؤكد من السيسي؛ لتقديم استشكال ضد حكم محكمة باحتساب 5 علاوات لأصحاب المعاشات.

الوزيرة في 18 أبريل 2018، جمعت مستشاريها القانونيين للرد على الحكم وأشاعت عبر إعلام التعليمات بأن الدولة ليس لديها أموال أو كما يشيع السيسي “بلد فقيرة أوي” واستطاعت أخذ حكم من قاض الأمور المستعجلة ليصدر لها حكما بوقف حكم المحكمة الأعلى.

الضم كان يعني زيادة مؤكدة في معاش نحو 3 ملايين مواطن، أما “الانتصار” كما توحدت عليه صحف واعلام الإنقلاب الذي حققه المنقلب كان سحب الاستشكال ليبدو أنه نمرود يمنع ثم يزيل المنع فيلهجون بحمده تسبيحا أن السفيه تكرم عليهم بالمنح!

السخرية من التوحد

نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبروا أن تلك المانشيتات رغم فجاجتها إلا أنها للأسف كانت نقلا عن بيانات رسمية ولا يزال الشعب يعيش في خضم الإحباطات التي خلفها زيف تلك البيانات.

ورأى آخرون أنها حالة غش جماعي، وتلبس كاملة الأركان، تعني بشكل غير مباشر افتقار الصحف للإبداع في رئاسة تحرير الصحف والمواقع والفضائيات المنحازة للانقلاب أو انشغال موجه التعليمات (الرقيب) سابقا، ولذلك يعيش بعضهم على الجمل السطحية المكررة، مع نفي أن يكون ذلك توارد خواطر، أو خطبة موحدة!

وسخرت الناشطة اليمنية توكل كرمان، مبكرا في يوليو 2013 من “صحافة الانقلاب ..صحافة التعليمات” وكان السبب تجاهل معظمها أخبار المظاهرات الرافضة للانقلاب، وقالت: “من يتابع تغطية وسائل الاعلام الرسمية في مصر للمسيرات الكبيرة جدا الرافضة للانقلاب على الشرعية الدستورية والثورية ويقارن بين تغطيتها للمسيرات المعارضة قبل الانقلاب سرعان ما سيكتشف أن حرية الاعلام ومهنيته واستقلاله هي أول ضحايا انقلاب العسكر ومن ساندهم، يعلم المصريون أن وسائل الاعلام تلك كانت تنقل كل تفاصيل المسيرات وفعاليات المعارضة قبل الانقلاب، وأنها صمتت تماماً عن نقل شيء عن المسيرات المعارضة للانقلاب على الشرعية”.

قص “النقيب”

وقبل أسابيع قليلة تم تسريب اسم الضابط أشرف الخولي، نقيب المخابرات الحربية، الذي يأمر “إعلاميين” و”ممثلين” من الأذرع، التي ينفق على تشكيلها السيسي الكثير، فيطاع بأمر الله، يوجه طابور جرار من تلك العينة من “الصحفيين” و”الإعلاميين” بعدما نجحوا مؤخرا بأساليبهم في غزو صناديق نقابة الصحفيين، ووضع ترس يعمل لصالحهم نقيبا، وضعهم “الخولي” لا تنبت صلته بأول المرشحين عبر التسريبات اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي السابق ومدير المخابرات العامة الحالي، في كبد الدفاع عن التعديلات المشبوهة التي تفرعن السيسي زيادة عما هو فيه.

إلا أن موقع المشهد غرد خارج السرب وكشف معلومات تتعلق بما تنوي “حكومة” الإنقلاب فعله يومي 23 و24 أبريل القادم موعد استفتاء “التعديلات” من حشد للأنصار ورشاوي انتخابية ووجبات غذائية، وكشف اليوم مجدي شندي رئيس تحرير جريدة المشهد، أسباب قرار مجلس “مكرم” بحجب موقعه وتغريمه.

وأفاد أن ذلك كان ردا علي رفض الجريدة التعليمات والاملاءات القادمة اليها من اجهزة النظام بما تكتب وما لا تكتب وبسبب اتخاذها موقفا معارضا لتعديل الدستور.

واعتبر “شندي” أن عدم الانصياع للتعليمات والإملاءات التي تستهدف تقزيم دور مهنة الصحافة وتحويل كل الصحف إلى نشرات موحدة لا تحمل غير مواد دعائية تريد السلطة نشرها بغض النظر عن إعلام الناس بحقائق ما يجري.

واستجار “شندي” بالصحف والمواقع الإلكترونية ونقيب الصحفيين ومجلس النقابة لدعمه ومساندته، قائلا: “دفاعا عن المهنة التي تتعرض لعاصفة عاتية”.

صدى الفضائيات

وبطبيعة نظرية الأواني المستطرقة لا تخرج تحليلات الفضائيات الموالية للانقلاب عن عناوين ومانشيتات الصحف المعبرة عن نفس التوجه، وأن من يحاول أن يفهم من هؤلاء المطبلين يكون جزاءه كذكر العقرب الذي يكون نصيبه القتل على يد الأنثى بعد تلقيحها. فقد سحق الإنقلاب باسم يوسف صاحب أضخم برنامج ساخر ممول من داعمي الثورة المضادة الخليجيين سلب الدكتور محمد مرسي هيبته بجعله مثار ضحك.

وعقب باسم يوسف جنب النقيب أشرف بتوجيهات عباس ترامادول والسيسي؛ يوسف الحسيني، ولميس الحديدي، وجابر القرموطي، وخالد تليمة، وبلال فضل وليليان داوود وعمرو الليثي وريم ماجد ويسري فودة.

وبات مطلوبا من البقية إما التماهي مع دور “زكي قدرة” بشكل كامل والترويج للفشل الذي يعاني منه الانقلاب في كافة المجالات على رأسها تمرير الفترة الثانية من ولاية الانقلابي، وتسويق ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة على المصريين، وتحقيق التقارب الكامل بين مصر والكيان الصهيوني أو الإطاحة.

وخلال عام 2018، أغلقت عدة قنوات من بينها قناة أون لايف الإخبارية، ودي إم سي سبورت، وسي بي سي العامة، وقناة “إل تي سي”، و”العاصمة”، واستقال عدد كبير من المديرين التنفيذيين والفنيين، وتم منع ظهور إعلاميين آخرين ووقف برامجهم، من بينهم إبراهيم عيسى، وأماني الخياط، وتامر عبد المنعم، وغيرهم.

استمرارا للسياسة التي ينتهجها الانقلاب خلال الفترة الأخيرة في إحلال وتجديد الأذرع الإعلامية، تواصلت خطة استبعاد العناصر التي تم استخدامها لتنفيذ الانقلاب العسكري وتسويقه شعبيا، وزرع عناصر جديدة تؤدي المهمة المطلوبة في المرحلة الحالية.

تكميم الأفواه

وكشف التقرير السنوي لحرية التعبير في العالم العربي لعام 2018 الذي اصدرته “الشبكة العربية لحقوق الانسان” وتناول انتهاكات حرية التعبير في 13 دولة عربية، منها مصر، ان سلطة الانقلاب باتت تفرض “الصمت بالأمر” على المصريين علي اختلاف اطيافهم.

وتضمن التقرير الخاص بمصر رصد عشرات الانتهاكات المختلفة، أبرزها حبس صحفيين ونشطاء وسياسيين ومنع علاجهم في السجون ومنع من السفر وإغلاق صحف ومواقع إلكترونية وبرامج ومصادرة كتب ومكتبات ومنع عرض فنية وانتهاكات لا حصر لها هنا مصر، دولة بوليسية تلاحق كل مختلف عن النظام وأصحاب الرأي وحتى من كان لهم رأي وتركوا المجال العام.

فضلا عن الإنهاك بترسانة من القوانين المقيدة للحريات التي تفرض قيودها على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أيضا، مثل قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية الذي أعطى سلطة لجهات التحقيق في حجب أي موقع وتوقيع الغرامة أو عقوبة الحبس.

وأشار التقرير إلى سن 3 قوانين لتنظيم الصحافة والإعلام أقرب لقوانين تكميم الأفواه، وهي ما يسمى بالجريمة الإلكترونية وقوانين الصحافة التي تسمح بعقاب الصحفيين وحجب مواقع الكترونية وحبس مدونين وفرض السيطرة على وسائل الإعلام.

كما نبه التقرير إلى الصفقات الإعلامية التي ظهرت على الساحة واختفاء إعلاميين بارزين وحجب المواقع الإلكترونية والتي بدأت في مايو 2017 بقرار من جهة مجهولة.

Facebook Comments