كشفت الصحفية الفرنسية نينا أوبيني التي وضعت سلطات الانقلاب اسمها على قائمة سوداء في مطار القاهرة، بعد مفاجأتها بهذا الإجراء عقب وصولها لمطار القاهرة، لقضاء إجازة شخصية لمدة أسبوع فقط، أنه التحقيق معها، ثم رفض دخولها لمصر، وعودتها على متن أول طائرة عائدة إلى فرنسا، دون شرح الأسباب أو التهم الموجهة إليها.

وقالت أوبيني على صفحتها في موقع “فيس بوك”، تفاصيل ما حدث معها من اللحظة التي وصلت فيها إلى المطار، إلى سخرية الضباط منها، والتجول فيما تكتبه وتدوّنه على صفحتها بموقع “فيس بوك”، وتابعت: “ثم توجهت إلى مكتب الأمن ليحققوا معها وانتظرت مع مجموعة من المشتبه فيهم مدة تصل إلى نصف ساعة. وتحدثت مع أحد ضباط الأمن وسألته عن الأمر، فأجابها بأن اسمها موجود على “القائمة السوداء”، ويجب عليها التوجه نحو مكتب الأمن في المطار”.

وقالت في ردها على التحقيق :”لم أكتب أي سطر حول مصر منذ 2014، أنا أعمل على مواضيع أخرى محلية لا تتجاوز غالباً حدود مدينة مارسيليا. ولكن الأسئلة التي طرحوها عليَّ في مطار القاهرة تتمحور كلها حول السنوات التي قضيتها في مصر، مثل: هل ذهبتِ إلى ميدان التحرير؟ هل أجريت حوارات مع الناس؟ هل لديك نية إعادة الالتقاء بالناس الذين تعرفت عليهم في تلك الفترة؟”.

وقالت إن سبب ذلك هو أن ثورة يناير (التي أطاحت بنظام حسني مبارك) “أصبحت شبحاً يسعى النظام المصري الحالي بكل الوسائل وبشكل دائم للتخلص منه، ولكنه في الوقت نفسه بات مهووساً به”.
وتعدد بعض أسئلة المحقق معها حول تقارير كتبتها عن سكان النوبة في نهاية سنة 2013، قبيل رحيلها عن البلاد، وهو “موضوع لا يستهان به في مصر”، على حد تعبيرها.

وقالت: “كنت أعتقد أن ما كتبته أقل إثارة بالنسبة للنظام العسكري المصري مما كتبته حول الأقباط وسيناء والجيش وقمع المظاهرات، والمعارضون المسجونون، في أثناء 5 سنوات من عملي بالقاهرة. وما يبدو لي واضحاً الآن، هو أن هذا القرار بترحيلي يكشف عن هشاشة النظام المصري حالياً، وافتقاده الثقة”.

وأكدت أن “كل من كانت لهم علاقة بالثورة، سواء من بعيد أو قريب، باتوا هدفاً للنظام”، كما ربطت نينا حادثة ترحيلها في نفس سياق اعتقال المدون الشهير والمدافع عن حقوق الإنسان وائل عباس، قبل أيام قليلة؛ إذ تربطها به معرفة ونشرت على موقعها في فيسبوك صورة عن اعتقاله.

وتشير في لقائها المطول إلى آخرين تم اعتقالهم؛ مثل المدون شريف جابر، الذي واجه في السابق تهمة الإلحاد، إضافة إلى الكوميديان الشهير شادي أبو زيد، الذي نشر المقاطع الشعبية الساخرة، والمحامي والناشط الحقوقي هيثم محمدين، الذي رافق كل التحركات الاجتماعية في مصر، والذي تم إيقافه قبيل رحلتها إلى القاهرة.

وعددت أيضاً اسم الصحفي والباحث المتخصص بالحركات الجهادية في سيناء، إسماعيل الإسكندراني، الذي حُكم عليه بالسجن 10 سنوات من قِبل محكمة عسكرية، بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي تم تصنيفها كمنظمة إرهابية في مصر منذ 2013.
وبحسب هيومن رايتس ووتش، فإن مصر شهدت منذ 2013، أكثر من 60 ألف عملية إيقاف لدوافع سياسية.

وقالت نينا: “كل من كانت لهم علاقة بالثورة، سواء من بعيد أو قريب، باتوا هدفاً للنظام الحاكم، الذي ينفّذ عملية تطهير ضخمة، أو ما يشبه الانتقام”.

وأكدت أن نظام الانقلاب متوتر جداً في المرحلة الحالية، ولكن ليس بسبب تهديد اندلاع احتجاجات؛ إذ إنه من المستحيل في مصر اليوم تنظيم مظاهرة، على حد قولها.

واعتبرت أن انطلاق موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، سكون سببها الصعوبات الاقتصادية التي مسَّت الشريحة الأكبر من الشعب؛ إذ انخفضت المقدرة الشرائية للطبقة الوسطى كثيراً، وتُرجمت حزمة الإصلاحات التي فرضها عبد الفتاح السيسي لإعادة التوازن للاقتصاد، الذي بات على مشارف الانهيار، على أنها “إجراءات مُوجعة” مسَّت الدعم الحكومي للمواد الأساسية، وسبَّبت تضخماً بلغت نسبته 30 في المائة، وإجراءات أخرى مثل رفع سعر البنزين. وأخيراً، هنالك أيضاً رفع أسعار تذاكر القطارات، وهو ما أحدث محاولة صغيرة للتظاهر داخل عربات القطار.

وعندما تم سؤالها ما إذا كان الوضع بات أسوأ من عهد مبارك، قالت: “عدنا إلى مستوى من القمع يضاهي ما حدث في عهد جمال عبد الناصر؛ إذ إنه في أيام حكم مبارك، كانت الصحافة تتمتع بالحرية، وهو أمر لم يعد موجوداً الآن، حيث يقبع 35 صحفياً خلف القضبان، وتم إغلاق أكثر من 300 موقع إعلامي. وشمل القمع كل المجالات، في محاولة من النظام للتخلص من ذكرى الثورة المصرية”، على حد تعبيرها.

ثم قالت: ” في كل الأحوال، فإن الموقف الذي تعرضت له في المطار، مهما كان ظالماً وقاسياً، لا يمثل شيئاً يُذكر مقارنة بمعاناة آلاف النشطاء والصحفيين والشباب المصريين، الذين تم اعتقالهم لأنهم يقومون بعملهم، أو عبّروا عن آرائهم السياسية بشكل لا يعجب النظام الحاكم، حيث يتم رميهم في السجن، وأحياناً يتعرضون للتعذيب، أو يقعون ضحايا للاختفاء القسري. إنهم رجال ونساء من الشباب الذين حكم عليهم نظام السيسي بالسجن سنوات خلف القضبان، بتهم من نسج الخيال، ليسرق بذلك سنوات عمرهم”.

ونينا ليست الصحفية الأولى التي يتم ترحيلها؛ إذ تعرضت مراسلة صحيفة Times البريطانية بيل ترو لموقف مشابه في مارس 2018.

إذ كانت عائدة من مقابلة صحفية مع أسرة أحد الغارقين في طريقهم للهجرة بطريقة غير شرعية عندما ألقت الشرطة القبض عليها.

أمضت ترو 7 ساعات في أحد أقسام القاهرة، ثم تم ترحيلها على الفور بما عليها من ملابس، بعدما عاشت بمصر 7 سنوات.

وفي الأسبوع نفسه تقريباً، الذي شهد ترحيل ترو، كانت هناك حملة ضارية تشنها الدولة المصرية على محطة BBC على خلفية تقرير بثته المحطة عن الاختفاء القسري في مصر. لم يتوقف التضييق على المحطة عند تقديم البلاغات ودعوات للمقاطعة؛ بل وصلت حملات الشحن ضد BBC إلى أن توقفت المطاعم المحيطة بالمحطة عن توصيل الوجبات للعاملين بها، باعتبارهم أعداء للوطن.

ونشرت صحيفة Guardian البريطانية تقريراً من القاهرة أشارت فيها إلى حادثة ترحيل الصحفيتين، وربطت بين الحادثة والارتفاع المتوقع لأسعار الكهرباء والوقود بنسبة 55% و60% على التوالي بالموازنة القادمة في يوليو 2018؛ ما سيؤدي إلى مزيد من السخط بين أفقر مناطق مصر، ونقلت مراسلة الصحيفة عن محللين أن “أساليب الحكومة الصارمة المتزايدة تهدف إلى منع الكثيرين من التعبير عن استيائهم”.

رابط دائم