مثل صفيحة الجُبن التي يغترف منها البقال أجزاء تلو أخرى ويبيعها للمشتريين، يقوم السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بتقطيع الأراضي المصرية وتفريقها على المحاسيب يميناً وشمالاً، وعقب الانقلاب العسكري في 30 يونيو 2013, زادت عصابة السفيه السيسي من بسط سيطرتها على أراضي الدولة ضمن الخطة العامة للعسكر بالسيطرة على الاقتصاد المصري، وذكر تقرير لموقع “ميدل إيست آي” صدر في مارس 2016, أن العسكر يستحوذون على ما بين 80 – 90% من أراضي مصر.

الانقلاب العسكري ضرب بمواد الدستور عرض الحائط، ليبسط نفوذه وسيطرته على أراضي مصر، ويسهل للفاسدين الاستيلاء عليها ونهب مقدرات الشعب، ويمكن تقسيم مراحل الاستيلاء العسكر ورجالهم وشركائهم على أراضي الدولة إلى أربع مراحل انتهت بسيطرة الجيش الحالية على الاقتصاد بما فيه قطاع الأراضي.

أصدر السادات القرار الرئاسي الصادر في عام 1977، الذي منح حق امتياز إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة للجيش، وذلك القرار جعل المؤسسة العسكرية، أكبر قيّم على الأراضي الحُكومية في البلاد، وذكرت تقديرات أنها تصل إلى 87% من مساحة البلاد.

ومنح مبارك الجيش حق بناء ما يقرب من 5% من مجموع المساكن التي شُيّدت في البلاد، من قبل الجيش ولأجل الجيش، دون أن يُعمم حق استثمار هذه الأراضي، ثم تبع ذلك استيلاء نظام مبارك وحكومته بالأمر المباشر على مساحات من الأراضي تقدر بـ16 مليون فدان أي 67 ألف كيلو متراً مربعاً، وهو ما وصف بأنه يقارب مساحة خمس دول عربية مجتمعة، وهي ” فلسطين التاريخية 26.6 ألف كم مربع، الكويت 17.8 ألف كم مربع، قطر 11.4 ألف كم مربع، لبنان 10.4 ألف كم مربع، البحرين 5.67 ألف كم مربع”.

وفي عام 2014, صدر قانون معني بتنظيم الأراضي التي يرفع الجيش يده عنها، وفي هذا القانون استحدث العسكر بندا يتيح للمؤسسات الفرعية التابعة للقوات المسلحة تكوين شركات إما منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو الخاص، وهو ما يعنى تسهيل تحويل الأراضي العسكرية للأغراض المدنية والصناعية والاستثمارية, ومشاركة الجيش بقيمة هذه الأراضي فقط، وهو ما يعني أيضا إضافة استثمار الأرض إلى مزايا الجيش بعدما كان الوضع هو وضع اليد أيام السادات أو تخصيص 5% من مساحة الأراضي المبنية للجيش, وهو الوضع المطبق في عهد المخلوع مبارك.

مصر في أمعاء العسكر

وأعلن السفيه السيسي أنه سيسترد الأراضي المنهوبة من أملاك الدولة أكثر من مرة, كان أولها عن طريق تشكيل لجنة لاسترداد أراضي مصر المنهوبة، وكشف الدكتور سعيد خليل, المستشار الفني لوزير الزراعة السابق وخبير الأمانة الفنية داخل لجنة استرداد أراضي الدولة بقيادة المهندس إبراهيم محلب، عن قيام أعضاء في اللجنة بالاستيلاء على أراضي الدولة، وهو سبب تجاهله وعدم الأخذ بتقاريره الخاصة بتجاهل وضع العديد من الشركات التي تستحوذ على 90% من أراضي الدولة.

كما أشار إلى أن العديد من أعضاء اللجنة يستحوذون علي مساحات شاسعة من أراضي الدولة، بجانب محاباة العديد من أعضاء اللجنة لبعض الشركات لتسهيل مهمة التقنين، إضافة إلى الكيل بمكيالين في ملفات تقنين واضعي اليد، والتفرقة بين شركات بعينها من حيث أسعار الأراضي أو إجراءات التقنين، وتدخل أصحاب المصالح من واضعي اليد مع بعض أعضاء اللجنة لعمل مساومات، وأخيراً استيلاء قيادات تتولى مناصب مهمة على آلاف الأفدنة من أراضي الدولة.

وبعدما انتهى الحال بلجنة محلب للفشل التام, أصدر السفيه السيسي عدة قرارات لتخصيص مساحات شاسعة من الأراضي للجيش، ومنها على سبيل المثال القرار رقم 313 لسنة 2016 لتخصيص مساحة 6174 فدانا من الأراضي المملوكة للدولة لصالح القوات المسلحة، بتاريخ 12 يوليو من نفس العام.

والقرار جمهوري بتخصيص الأراضي الصحراوية بعمق 2 كم على جانبي 21 طريقًا جديدًا يتم إنشاؤها وإصلاحها لوزارة الدفاع، على أن تعتبر مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية لا يجوز تملكها، وفي 15 يونيو، وافق السفيه السيسي على إعادة تخصيص مساحة 3.17 كم، نقلاً من الأراضي المملوكة للقوات المسلحة وأراضي وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، لصالح وزارة الدفاع.

خزينة الدولة أم العسكر؟

وسيطر الانقلاب العسكري على معظم، إن لم يكن كل مظاهر الحياة الاقتصادية في مصر، وتعد أراضي الدولة المصرية من أبرز القطاعات التي يستحوذ عليها العسكر، وتمت تلك السيطرة على مراحل عدة، وصلت ذروتها عقب انقلاب 3 يوليو 2013.

وبرز هذا الملف على سطح الأحداث بمصر في العقدين الأخيرين لحكم مبارك، الذي منح أركان نظامه ملايين الأفدنة لرجال الأعمال، ضمن صفقات شابها الفساد، وبعد الانقلاب منح العسكر لأنفسهم آلاف الأفدنة تحت شعار للقوات المسلحة، فضلاً عن وضع أيديهم على معظم أراضي الدولة، إضافة إلى منح السفيه السيسي ملوكا وحكام عرب عشرات الأفدنة في عدة أماكن بربوع الجمهورية بالمخالفة للقانون.

كل ذلك في خطوات تعد بكل المعايير إهداراً لمقدرات الشعب المصري، المالك الوحيد لهذه المقدرات والثروات حسب نصوص كل الدساتير والأعراف القانونية الدولية والإقليمية، وفجأة بدون مقدمات أعلنت العصابة العسكرية علي لسان السفيه السيسي حربها علي مافيا الاستيلاء علي أراضي الدولة، حيث خرج السفيه السيسي في عدة لقاءات مهدداً الذين سطوا على أراضي الدولة باستردادها، أو دفع ثمنها لخزينة العسكر.

ولم يعد سعي الجيش المصري لبسط مزيد من السيطرة على اقتصاد البلاد خافياً على أحد؛ بعدما امتدت يده لقطاعات الإنشاءات والمواد الغذائية والطرق والجسور وتصنيع مكيفات الهواء وتوريد الأدوية للجامعات؛ ما يعني أنه بات متوغلاً في كل القطاعات.

ومنذ تمدد سواد انقلاب يوليو 1952، تعاقب على مصر رؤساء عسكريون بدءاً بأبو الانقلاب الفاشي عبد الناصر وانتهاء بالسفيه السيسي، غير أن عملية العسكرة تعاظمت عقب اتفاقية كامب ديفد للسلام مع كيان العدو الصهيوني في 1978، والتي قلصت المهام القتالية للجيش ودفعته نحو مهام السيطرة الداخلية على الشعب والأرض.

رابط دائم