لو أنك فى غزة فسيكون حديث الناس وحواراتهم حول استشهاد المجاهد البطل نور الدين بركة، وتفجير “الباص” الصهيونى، وواقعة كمين العلم، وصواريخ غزة التى أرغمت اليهود على طلب التهدئة -ولو كنت فى مصر المحروسة فسوف يصلك -إن لم تشارك- لهيب المعركة المحتدمة بين فنانى المهرجانات الصاعدين مجدى شطة وحمو بيكا، وكيف أن فرقة الأخير وضعت الأول فى حرج أمام وسائل الإعلام بعد حصولها على “تريند” عالمى وتفوقها على الهضبة “عمرو دياب”.

الواقع هكذا، وكل إناء ينضح بما فيه، والناس على دين ملوكهم، ومن ابتغى العزة سهل الله طريقه إليها، ومن رضى بالدون عمّته جاهلية الأولين والآخرين. من كان يتصور أن غزة، تلك المحافظة التى كانت تتبع مصر إداريًا فى وقت من الأوقات، هى من تحمى ظهرها، وتدافع عن شرفها، وتدفع -كل يوم- من دماء أبنائها ضريبة نكوص المحروسة عن القيام بواجبها؟!

فى غزة -التى يحاربها العرب أجمعون لأجل عيون الصهاينة- لا يعرفون شطة، ولا بيكا، ولا يقبلون طراوة ولا ميوعة. أعزهم الله بالإسلام والجهاد فهان عليهم الصهاينة الذين كان جيشهم لا يقهر فى عيون جيوشنا الرسمية، وكفروا بالعلمانية -التى يعتنقها حكامنا الأشاوس- فودعوا الخضوع والمذلة. ولك أن تتخيل قطاعًا محاصرًا -جغرافيًا وسياسيًا- استطاع -رغم هذا الحصار التاريخى- تطوير قدراته الدفاعية؛ من الحجارة (فى عام 1987) إلى الطائرات من دون طيار، والصواريخ الموجهة (فى عام 2018)؛ وفى المقابل جيوش جرارة تمتلك أقوى وأحدث الأسلحة والطائرات، من الأواكس والإف 16 والرافال تختبئ فى “صفقة القرن” هربًا من المواجهة مع اليهود. إنه الإسلام الذى رفع الله به أقوامًا وأذل به آخرين؛ رفع الأولين لما افتخروا به والتزموا بأوامره ونواهيه، وأذل الآخرين لما شاقوا الله ورسوله وعادوا الأولياء والصالحين؛ فكتب عليهم الصغار وجعلهم عبيدًا لأذل خلق الله، يهابونهم ويوالونهم ويسارعون فيهم حتى دفعوا لهم -مؤخرًا- الجزية عن يد وهم صاغرون.

هذا زمان العزة فى غزة الأبية، زمان الكرامة والكرامات، زمان الرضى بالله ربًا وبالرسول دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً، زمان الفطرة السوية والخلق القويم، أما فى مصر فهو زمان الفقر والهوان، والذل والتبعية، زمان اعتنق فيه من تولوا أمرنا قهرًا مبادئ العلمانية النصرانية المقيتة فرارًا من الالتزام الدينى؛ فصاروا كمن رقع دنياه بتمزيق دينه، فلا دينه بقى ولا ما رقّع.

هؤلاء قوم انشغلوا بالجهاد، ونحن انشغلنا بالساقط الهازل، أحبوا وطنهم وماتوا فى سبيله من منطلق دينى، ونحن بعنا ماء بلدنا وغازه وجزره من منطلق عقيدة علمانية فاسدة أورثتنا تبعية العدو وسلوك مسلكه حتى صرنا نرفع سلاحنا على أهلنا وأبناء جلدتنا، ولم تعد لنا أعراف مرعية أو مواريث قيمية، وحتى صار اليهودى وليًا والمسلم إرهابيًا. فى غزة يفتحون المساجد والكتاتيب ويعلّمون الصبية الصلاة والجهاد وفرائض الدين، وفى المحروسة ينفّرون الصغار من الإسلام، ويحذرونهم من القرآن، ويهددونهم من اتباع المتدينين فكانت النتيجة كما تعلمون: إسفاف، وضياع، وفوضى، وميوعة، وسوء خلق، وشطة وبيكا، والبقية تأتى.

صارت غزة هى “الأم الكبرى” للعرب والمسلمين بعدما كفت أذى الصهاينة عنهم، وبعدما نجحت فى إفشال مخططهم التلمودى العظيم “إسرائيل: من الفرات إلى النيل” المرادف لـ “صفقة القرن”. اختطفت غزة اللقب من مصر بعدما تخلت الأخيرة عن دورها التاريخى، وبعدما تولاها حفنة يعملون لغير صالحها، والذين لولاهم ما بقى شىء اسمه “إسرائيل”. اقرءوا التاريخ لتعلموا أن مجاهدى الإخوان المسلمين من مصر والأردن وسوريا بالإضافة إلى أبناء فلسطين، كادوا يحررون أرض الإسراء من رجس اليهود عام 1948 لولا خيانات الجيوش والعروش العربية، التى لا زالت على عمالتها حتى فقد الناس الأمل فى استرداد فلسطين.. والناس على تلك الحال ظهر جند الله –والله غالب على أمره- فأعادوا إلينا الأمل، ومعه البسمة، ولا زلنا بخير ما بقيت فينا تلك الطائفة التى يعمل الزمن لصالحها، فإن هى إلا سنوات حتى يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم.

اثنان مليون عربى، بينهم عدة آلاف من المجاهدين هم من يدافعون عن شرف الأمة، ويمنعون سقوط رايتها، هم من يحتملون أذى العدو، وكيد ذوى القربى وهو الأشد مضاضة، هم الأحق بالدعم، والأحق بالتقدير، والأحق بالذكر والتشريف، لا نطلب من الأنظمة شيئًا من هذا؛ فمعلوم أين تتجه بوصلة قلوبهم، لكننا نطلبه من شعوبنا المسلمة، الحرة الأبية، فإن لم يستطع أحدنا دعمهم بطريقة من الطرق التى يقدر عليها فلا أقل من أن يدعو لهم بظهر الغيب.. فاللهم كن لإخواننا فى غزة وليًا ونصيرًا.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم