تحل اليوم ذكرى اغتيال أول عالمة ذرة مصرية سميرة موسى، التي جرى اغتيالها في عملية أمنية مجهولة في طريق كاليفورنيا بأمريكا في العام 1952…

ذكرى اغتيال موسى تكشف أبعاد المشهد الحالي في مصر، وتؤكد أن من قتل موسى هو من يقتل آلاف المصريين في العهود المختلفة، سواء بأيدى أعداء مصر والعرب، أم بايدي أبناء جلدتهم، سواء بحرمان المصريين والعرب من أدمغة علمائهم، أو بقتل العلماء واعتقالهم، كما يجري الآن على أيدي عساكر الانقلاب ، وكذا بالأغذية والمبيدات المسرطنة من أجل تخريب الأوطان العربية، وفي مقدمتها مصر، كي ينعم الصهاينة أصحاب المصلحة الأكبر في تصفية المجتمعات العربية من مصادر قوتها البشرية والعلمية والمهنية، بهدف إضعاف شامل للعرب والمسلمين..

ولعل فقد مصر لنحو 5 آلاف مواطن بلا حساب أو حق ، بدم بارد في الميادين أو المنازل أو الشوارع، من بينهم علماء وأصحاب مهن ، أثر غيابهم كثيرا في مقدرات مصر، ودفعها لتحل في المراتب الأخيرة في مؤشرات الحياة، بل إنها خرجت تماما من التراتيب الدولية ، في التعليم والأمن والصحة والتكنولوجيا…وتربعت على قمة العالم في الانتحار والقتل خارج إطار القانون والأمراض النفسية والجسمانية…وهذا يعد أكبر كارثة على الأمن القومي المصري في العهد الحديث..

من سميرة موسى؟

لُقبت سميرة موسى باسم “ميس كوري الشرق”، وكانت تأمل أن يكون لمصر وللوطن العربي مكان وسط التقدم العلمي الكبير، حيث كانت تؤمن بأن زيادة ملكية السلاح النووي يسهم في تحقيق السلام، لأن أي دولة تتبنى فكرة السلام لا بد وأن تتحدث من موقف قوة، حتى حققت مسيرة علمية باهرة أدت إلى اغتيالها وعمرها 35 عامًا..

قامت بتأسيس هيئة الطاقة الذرية بعد ثلاثة أشهر فقط من إعلان الكيان الصهيوني، عام 1948، وحرصت علي إيفاد البعثات للتخصص في علوم الذرة ، ومجاراة هذا المد العلمي المتنامي، حيث نظمت مؤتمر الذرة من أجل السلام الذي استضافته كلية العلوم وشارك فيه عدد كبير من علماء العالم.

عاصرت ويلات الحرب وتجارب القنبلة الذرية التي دكت هيروشيما وناجازاكي في عام 1945م، ولفت انتباهها الاهتمام المبكر من إسرائيل بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وسعيها للانفراد بالتسلح النووي في المنطقة.

سافرت “موسى”،  إلى بريطانيا ثم إلى أمريكا لتدرس في جامعة “أوكردج” بولاية تنيسي الأمريكية، ولم تنبهر ببريقها أو تنخدع بمغرياتها؛ ففي خطاب إلى والدها قالت: “ليست هناك في أمريكا عادات وتقاليد كتلك التي نعرفها في مصر، يبدءون كل شيء ارتجاليا.. فالأمريكان خليط من مختلف الشعوب، كثيرون منهم جاءوا إلى هنا لا يحملون شيئاً على الإطلاق، فكانت تصرفاتهم في الغالب كتصرف زائر غريب يسافر إلى بلد يعتقد أنه ليس هناك من سوف ينتقده لأنه غريب.

جامعة سانت لويس

استجابت “موسى”، لدعوة للسفر إلى أمريكا في عام 1952، وأتيحت لها فرصة إجراء بحوث في معامل جامعة سانت لويس بولاية ميسوري الأمريكية، تلقت عروضاً لكي تبقى في أمريكا لكنها رفضت وقبل عودتها بأيام استجابت لدعوة لزيارة معامل نووية في ضواحي كاليفورنيا في 15 أغسطس، وفي طريق كاليفورنيا الوعر المرتفع ظهرت سيارة نقل فجأة؛ لتصطدم بسيارتها بقوة، وتلقي بها في واد عميق، قفز سائق السيارة – زميلها الهندي في الجامعة الذي يقوم بالتحضير للدكتوراه والذي- اختفي إلى الأبد.

أوضحت التحريات أن السائق كان يحمل اسمًا مستعارا، وأن إدارة المفاعل لم تبعث بأحد لاصطحابها كانت تقول لوالدها في رسائلها: “لو كان في مصر معمل مثل المعامل الموجودة هنا كنت أستطيع أن أصنع أشياء كثيرة”.

يشار إلى أنه في آخر رسالة لها كانت تقول: “لقد استطعت أن أزور المعامل الذرية في أمريكا، وعندما أعود إلى مصر سأقدم لبلادي خدمات جليلة في هذا الميدان، وسأستطيع أن أخدم قضية السلام”، حيث كانت تنوي إنشاء معمل خاص لها في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة.

تكتيك إسرائيلي لردع أدمغة العرب

وتتشابه عملية قتل العالمة سميرة موسى، مع اغتيال مهندس الطيران التونسي، محمد الزواري، الذي شارك في تصنيع طائرة بدون طيار “أبابيل” لصالح كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، في 15 يناير  2016..

وعلى مدى عقود تورط جهاز “الموساد” باغتيال علماء مسلمين في ظروف غامضة، وأحيانا بشكل سافر ومبرمج، دون أن تتبنى أو تنفي تل أبيب ذلك بشكل صريح، في إطار ما تسميه “سياسة الردع”، لتخويف العلماء ودفعهم إلى الهجرة من بلدانهم، وتعطيل أي مشروع علمي للنهوض بأي دولة مسلمة، خاصة في المجال العسكري، لاسيما النووي.

ويرى مراقبون أن “الإسرائيليين يعتبرون أدوات تطوير المسلمين للتكنولوجيا خطرا عليهم، ولا يريدون أي اختراق في هذا المجال يكسر تفوقهم؛ لذلك يستهدفون العلماء المصريين والعراقيين والإيرانيين والباكستانيين”.

وقادت سياسة اغتيال العقول المسلمة، بالإضافة إلى تدمير المنشآت العلمية، إسرائيل لاجتثاث البرنامج النووي العراقي في السبعينات والثمانينات، وأيضا مشروع المدفع العملاق، كما قتلت مع أمريكا نحو 8 آلاف عالم ذرة عراقي…

الموساد

وفي هذا السياق،  قال الكاتب السويدي من أصول سورية، حاتم الزعبي، إن “الموساد يقوم باغتيال العلماء المسلمين من أجل ترهيب العقول والدول، وردعهم عن مواصلة بحوثهم وتطوير برامجهم العلمية”.

مشيرا إلى أن “الإسرائيليين لا يستهدفون فقط علماء الذرة المسلمين، بل كل الكفاءات المسلمة التي يمكن أن تؤدي إلى تطوير بلدانها في أي مجال من المجالات العلمية والفكرية”.

وأعطى الزعبي، مثالا بالخبير المصري في التنمية البشرية واللغوية، إبراهيم الفقي، الذي قال قبل وفاته: “أعطوني خمس سنوات أقضي على الأمية في مصر”، مرجحا أن يكون “الموساد” أو غيره من أجهزة الاستخبارات الدولية وراء “اغتيال” الفقي اختناقا بالغاز بعد اشتعال النار في مسكنه بالقاهرة في عام 2012.

سمير نجيب ويحى المشد

ومن بين ضحايا “الموساد” عالم الذرة المصري، سمير نجيب، الذي تم “اغتياله” في الولايات المتحدة عام 1967 بعد قراره العودة إلى بلاده بعد “نكسة” يونيو من العام نفسه، وفي العام نفسه، أُلغي مشروع بناء أول محطة نووية مصرية، الذي فازت بصفقته شركة أمريكية.وفي السبعينيات تم تصفية عالم الذرة المصري يحيى المَشَد.

ولم يكتف جهاز المخابرات الإسرائيلي بتدمير معدات المفاعل النووي االعرافي قبل شحنها من فرنسا، بل قام بتدمير مقره بالعراق في قصف جوي، واغتيال المَشَد، بحسب تقارير إعلامية.

وفي التسعينات، ركز الموساد الإسرائيلي على “اغتيال” علماء مسلمين في قطاعات أخرى غير العلمية، مثل المؤرخين المصريين الذين سلطوا الضوء على “الصهيونية”، على غرار جمال حمدان، الذي “مات” حرقا في 1993، بحسب الرواية الرسمية، أو بضربة من أداة حادة على رأسه، بحسب شهادة أهله.

وبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق في 2003؛ استهدف “الموساد”، مرة ثانية، العلماء العراقيين، خاصة المختصين في المجال النووي؛ حيث قُتل منذ ذلك الوقت إلى الآن 5 آلاف و500 كفاءة علمية، من بينها 350 عالما نوويا، في ظل الفوضى التي شهدتها البلاد بعد الغزو الأمريكي، بحسب تقارير إعلامية.

وبجانب ذلك، جرى اغتيال علماء نوويين مسلمين “معنويا”، وشكل احتلال الولايات المتحدة للعراق في 2003، بدعوى امتلاكه أسلحة نووية، وبدون إذن أممي، صدمة لدى الدول الإسلامية التي تمتلك برامج نووية، فتم التركيز هذه المرة على “إسلام أباد”، من خلال حملة تشويه عالمية لأبي القنبلة النووية الباكستانية عبد القدير خان.

وتم تسريب معلومات استخباراتية إلى وسائل إعلام غربية تكشف تفاصيل مساعدة العالم الباكستاني لإيران وليبيا، في تطوير برنامجيهما النوويين، ومورست ضغوطات شديدة على تلك الدول، كان من نتائجها تفكيك الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لبرنامج بلاده النووي في 2003، حتى لا يلقى مصير صدام حسين، كما دعا (القذافي) سوريا إلى تفكيك برنامجها هي الأخرى.

كتائب القسام

وفي الفترة ما بين 2007 إلى 2012، تم التركيز على استهداف العلماء النوويين الإيرانيين؛ حيث اغتيلت 5 كفاءات نووية في 2007، وتلتها عدة عمليات أخرى، إما عن طريق تفجيرات أو قنابل مغناطيسية لاصقة يحملها ملثمون يضعونها في سيارات العلماء أثناء سيرها لتفجيرها في الطريق.

وحاليا يتم استهداف العلماء النوويين السوريين، بداية عام 2011، استغلالا للأوضاع الداخلية المضطربة في البلاد؛ حيث تم اغتيال 4 علماء ذرة في 10 أكتوبر 2014، بإطلاق النار عليهم في سيارتهم.

وقامت إسرائيل بقصف مركز للبحوث العلمية (يمثل مركز البرنامج النووي السوري) في منطقة حمرايا بريف دمشق في 5 مايو 2013، وتمت إعادة قصف المركز نفسه بعد شهر من ذلك.

وتشكل عملية استهداف المهندس التونسي محمد الزواري إحدى هذه المحطات التي تحاول من خلالها إسرائيل عرقلة محاولة كتائب القسام تطوير قدراتها العسكرية، خاصة أن الحرب الأخيرة على غزة في صيف 2014 أظهرت استعمال كتائب القسام، للمرة الأولى في تاريخها، طائرات بدون طيار من تصنيعها، في مهمة أمنية فوق أجواء إسرائيل، في 14 يوليو 2014.

 

 

رابط دائم