من أبرز دلالات وفاة الثائر والمجاهد الجزائري المفترَى عليه الشيخ عباسي مدني، الزعيم السابق للجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر، التي لا تستحق الصمت، هي أيضا صمت المجلس العسكري وقائده أحمد قايد صالح على رحيل الرمز الجزائري الذي فضل المنفى على السجن بعد حبسه 7 سنوات في أعقاب الانقلاب على جبهة الإنقاذ، التي فازت سنة 1990، وهو ما يشير إلى اصطفاف عسكر الجزائر مع قوى الثورة المضادة في السعودية والإمارات.

حيث دفعت الدولتان المواقع والفضائيات التابعة لهما، إلى الافتراء على الرجل باعتبار أنه من جملة الإسلاميين الذين تحاربهم دول الثورة المضادة، فضلا عن لجوئه ووفاته بقطر، حيث كتب موقع “قطريليكس”، المحسوب على المضادة، أن الشيخ الراحل هو “عراب الإرهاب الجزائري”، فيما كتب موقع “العربية” برئاسة عبد الرحمن الراشد، أن عباس مدني قائد العشرية السوداء” في الجزائر، رغم اعتراف قيادات بالمخابرات الجزائرية آنذاك بتدبيرهم تلك المذابح على مدى 10 سنوات كاملة.

ويذكر الجزائريون قول مدير المخابرات الجزائرية بعد انتصارات جبهة الإنقاذ في الانتخابات التشريعية الجزائرية: “إني مُستعد لقتل ملايين الجزائريين إذا تطلّب الأمر، للمحافظة على النظام الذي يُهدده الإسلاميون”.

وأنصفت كتابات المجاهد الدكتور عباس مدني في حياته، فقد خرجت الكتب والاعترافات على لسان شهود العيان ضباط المخابرات الجزائرية، محمد سمراوي وحبيب سويدية وغيرهم، يعترفون بمسئولية الجيش الجزائري عن كل المذابح التي أُلصقت بعباس مدني وجبهة الإنقاذ، وهو ديدن كل الجيوش العربية مع الإسلاميين.

نعي مغربي

غير أن الإسلاميين في الجزائر بل وفي الحزب الحاكم في المغرب، عوضا عن الحكومة القطرية وصلاة الأمير تميم على جسده بالدوحة، كانوا أول من نعى الشيخ الثمانيني، 88 عاما. وتقدم حزب العدالة والتنمية، الحاكم بالمغرب، باسم أمينه العام سعد الدين العثماني، بتعزية في وفاة القيادي الإسلامي الجزائري عباس مدني رحمه الله، معتبرا أنه ألم كبير وتأثر عميق، نبأ وفاة السيد عباسي مدني، وذلك يوم الأربعاء 24/ 04 /2019 بعد معاناة طويلة مع المرض.

وأظهر النعي أن الفقيد شخصية وطنية أبلت البلاء الحسن في الحركة الوطنية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، ومشاركتها المشهودة في المسيرة التنموية بالجزائر المستقلة، إلى جانب إسهامها المقدر في توطيد العلاقات الأخوية بين الشعبين الشقيقين المغربي والجزائري، فضلا عما عرف عنه رحمة الله عليه من الدفاع المستميت عن القضية الوطنية للمغرب، دون أن ننسى العلاقة الأخوية الصادقة التي كانت تربطه مع الرئيس المؤسس لحزب العدالة والتنمية الدكتور عبد الكريم الخطيب رحمهما الله.

نعي حركة حمس

وقدم رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، تعازيه إلى عائلة المرحوم عباسي مدني، الذي وافته المنية، الأربعاء 24 أبريل 2019، وكتب مقري، “رحم الله الشيخ عباسي مدني، أول ما تعرفت عليه في الجامعة بين 1979 و1980 حين دعوناه لإلقاء محاضرة في جامعة سطيف”.

وأضاف “كان عباسي مدني رحمه الله من التيار الوطني الإسلامي داخل جبهة التحرير الوطني في زمن الحزب الواحد إلى أن تركها ليشتغل في الساحة الدعوية طيلة الثمانينيات”. وأشار الى دوره الكبير في الصحوة الإسلامية ونشر الوعي، ونقد الأفكار العلمانية بطريقة علمية مقنعة.

وأورد “بقيت علاقتي به جيدة منذ عرفته في نهاية السبعينيات وأنا طالب في الجامعة، كان ضيفنا الدائم في معرض الكتاب الإسلامي السنوي في جامعة سطيف، وظلت العلاقة متواصلة به بلا انقطاع، أزوره في بيته مرات تلو ومرات، تارة وحدي، تارة مع الطلبة وفي بعض الأحيان مع الشيخ أحمد بوساق”.

وأشار إلى أنه رغم الخلافات الشديدة التي وقعت بين حمس وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلا أنه أسهم شخصيا بعدة محاولات لتقريب وجهات النظر بين الحركة وجبهة الإنقاذ.

وأكد أن الهدف من الحوار مع جبهة الإنقاذ، هو تصحيح الأخطاء جميعا، ثم الانطلاق في التعاون لمواجهة مشاريع التيار العلماني الاستئصالي المعادي لكل لون من ألوان الديمقراطية.

وكان آخر لقاء بين مقري والمرحوم عباسي مدني، في المطار حين كان يتأهب لمغادرة البلد، والذي لم يعد إليه بعده أبدا، ولكن كانت له مناسبات قليلة أخرى التقاه فيها بالخارج.

وعرج “قد يلومني البعض عن إظهار هذه الحميمية بيني وبين عباسي مدني، والحقيقة ما كتبته هو جزء بسيط مما يمكن أن يُكتب لو كان لي الوقت الكافي، فعباسي مدني مجاهد من مجاهدي الساعات الأولى في الثورة التحريرية، ونحن عارضناه بشدة، أما اليوم فها هو بعد أن قضى باقي عمره خارج بلده يُتوفى خارج دياره”.

الرمد العربي

المؤرخ والطبيب الدكتور محمد الجوادي كتب على الصفحة الرسمية على فيسبوك “‫أدعو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل برحمته وغفرانه عبده الصالح المجاهد المحتسب الأستاذ الدكتور عباس مدني؛ كان منارة من منارات الهدى في زمن تعشق الظلم والظلمات؛ وكان صرحا من الإخلاص والوطنية والالتزام؛ كان من أبرز رجال الدولة في العالم لولا أن الرمد العربي لا يزال يرفض العلاج”.

وبدأ د. عباسي مدني ممارسة العمل السياسي منذ 1948 في الحركة الوطنية الجزائرية في عهد الاستخراب الفرنسي، وقاد ليلة اندلاع الثورة مجموعة من المجاهدين، هاجمت مقر الإذاعة الفرنسية بالجزائر العاصمة.. بعدها اعتقل ليقضي أكثر من 7 سنوات في السجن حتى استقلال الجزائر.

ودعا في عام 1982 إلى عدم الاختلاط في المدارس ومنع المشروبات الكحولية في البلاد، وتعريب المناهج الدراسية والمعاملات الرسمية، وأدت أنشطته إلى اعتقاله سنتين.

وبعد خروجه شارك في تأسيس جبهة الإنقاذ الإسلامية، وكان العقل السياسي المدبر للجبهة وعمل على إبراز الحركة بشكل مؤثر على الساحة السياسية.

وقاد مدني جبهة الإنقاذ الإسلامية لخوض الانتخابات التشريعية في 1990 حيث فازت الجبهة بالأغلبية في مجالس البلديات والولايات، وكانت أول انتخابات تعددية تعقد في الجزائر منذ استقلالها في 1962.. فانقلب الجيش الجزائري على النتيجة، واعتقل قيادات جبهة الإنقاذ.. وبدأت المذابح ضد الجزائريين

وفي 15 يوليو 1997 وبعد سنوات قضاها داخل السجن، أطلقت السلطات الجزائرية سراحه مع الرجل الثالث في الجبهة عبد القادر حشاني (اغتيل لاحقاً في 22 نوفمبر 1999) وتم منعهم من ممارسة أي نشاط سياسي، بما في ذلك حق التصويت أو الترشيح في أي انتخابات.

وفي الأول من سبتمبر 2000 وُضع الدكتور عباس مدني قيد الإقامة الجبرية حتى أفرج عنه هو ونائبه علي بلحاج. وفي 23 أغسطس 2003 غادر الدكتور عباس مدني الجزائر إلى ماليزيا للعلاج، ثم انتقل للعيش في الدوحة بدولة قطر، ومعه كل أفراد أسرته، باستثناء ابنه أحمد الذي يعيش في ألمانيا ويمتلك قناة المغاربية الفضائية.. أما بناته وابنه أسامة فيعيشون معه بالدوحة.. كما يحمل أحد أحفاد عباس مدني الآن الجنسية القطرية ويلعب للمنتخب القطري لكرة اليد.

في يوم الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق لـ 19 شعبان 1440 هـ، توفي د. عباسي مدني في مستشفى بالدوحة.

والدكتور عباسي مدني (28 فبراير 1931 – 24 أبريل 2019)، هو مؤسس جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية مع علي بلحاج (بن حاج)، وهو حاصل على ليسانس في الفلسفة ودكتوراه في التربية، ومن أصول أمازيغية، وكان والد عباس إمام مسجد ومعلمًا للتربية الدينية.

رابط دائم